فهرس الكتاب
32_ ومن جملة ما ينبغي له تصوره، ويعينه استحضاره أن يعلم أن هذه الشريعة المباركة هي ما اشتمل عليه الكتاب والسنة من الأوامر والنواهي، والترغيبات والتنفيرات، وسائر ما له مدخل في التكليف، من غير قصد إلى التعمية والألغاز، ولا إرادة لغير ما يفيده الظاهر، ويدل عليه التركيب ويفهمه أهل اللسان العربي؛ فمن زعم أن حرفًا من حروف الكتاب والسنة لا يراد به المعنى الحقيقي والمدلول الواضح فقد زعم على الله ورسوله زعمًا يخالف اللفظ الذي جاءنا عنهما، فإن كان ذلك لمسوغ شرعي تتوقف عليه الصحة الشرعية أو العقلية التي يتفق العقلاء عليها، لا مجرد ما يدعيه أهل المذاهب والنحل على العقل، مطابقًا لما قد حببه إليهم التعصب، وأدناه من عقولهم البعد عن الإنصاف _ فلا بأس بذلك، وإلا فدعوى التجوز مردودة مضروب بها في وجه صاحبها. ص235_236
33_ ومن جملة ما يستعين به على الحق، ويأمن معه من الدخول في الباطل وهو لا يشعر أن يقرر عند نفسه أن هذه الشريعة لما كانت من عند عالم الغيب والشهادة، الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ويعلم ما تكن الصدور وتخفيه الضمائر، ويحول بين المرء وقلبه _ كانت المخادعة بالحيل الباطلة، والتخلص مما طلبه بالوسائل الفاسدة، من أعظم المعاصي له، وأقبح التجاري (1) عليه.
وجميع هذه الحيل التي دوَّنها أهل الرأي هي ضد لما شرعه، وعناد له، ومراوغة لأحكامه، ومجادلة باطلة لما جاء في كتابه وسنة رسوله.
ومن تفكر في الأمر كما ينبغي، وتدبره كما يجب اقشعر له جلده، ووقف عنده شعره؛ فإن هذا الذي وضع للعباد هذه الحيل كأنه يقول لهم هذا الحكم الذي أوجبه الله عليكم أو حرمه قد وجدت لكم عنه مخلصًا، ومنه متحولًا بذهني الدقيق وفكري العميق، هو كذا وكذا.
(1) _ لعلها: التجري.