الصفحة 216 من 442

فالحقد مما اتفق العقلاء على أنه خلق ذميم؛ لأنه طبيعة احتفاظ الإنسان على الجريمة، وإمساكها على ظهر قلب؛ ليجازي بها حيث تسنح الفرصة، وإن أصلحها المجرم ببسط المعذرة أو رجاء المغفرة؛ فإذا عنى ابن الرومي من الحقد الذي عقد النسب بينه وبين الشكر عدم نسيان الإساءة لمن لا يغني في رد شكيمته الأناة وسماحة الضمير _ كان شعره بمقربة من الحكمة السائرة.ص40 _ 41

24_ وقد اشتدت عناية الشريعة بالإرادة؛ فبعد أن أخذتها شرطًا في صحة الفعل، أو كماله نظرت إليها بانفرادها، ووضعتها بمقربة منه، فقدرت للنوايا الفاضلة نصيبًا من المثوبة إذا لم يتمكن صاحبها من إنجاز ما عزم عليه، قال"فيما روى البخاري: =من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة+."

كما فرضت للإرادات السيئة كفلًا من العقوبة، وإن لم يعقبها أثر في الظاهر، على ما ذهب إليه عامة السلف، واستشهدوا في هذا بقوله _ تعالى _: [إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ] الآية النور: 19، فقد بنى استحقاقهم للعذاب الأليم على عمل قلبي، وهو محبة شيوع الفاحشة، واستدلوا بحديث: =إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار+ فقيل: يا رسول الله، هذا القاتل، وما بال المقتول؟ قال: =لأنه أراد قتل صاحبه+، وفي رواية =أما أنه كان حريصًا على قتل أخيه+ فإنه اعتبر في عِلَّة العقوبة نفس الإرادة.

وفسر هؤلاء الهم الذي ورد الحديث بعدم المؤاخذة فيه؛ على معنى حديث النفس بالفعل من غير قرار علة وتصميم. ص42 _ 43

25 _ يمثِّل لك شدة العزيمة أن عبدالملك بن مروان قصد الخروج إلى بعض الحروب، فلما استعد للرحيل، وقفت له عاتكة بنت يزيد بن معاوية تستعطفه إلى التخلف وترك الخروج لموقع الحرب بنفسه؛ ظنًا منها أن سلطان الهوى أشد أثرًا على قلب الرجل من عزيمته، فقال لها: هيهات، أما سمعت بقول الأول:

قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار

ص34 _ 44

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت