فهرس الكتاب
28_ فنقول: إن الشارع فوض في أمر اللباس إلى حكم العادة، وما يليق بحال الإنسان، فإذا جرت العادة بلبس نوع من الثياب، وكان مستطيعًا له، فعدل إلى صنف أسفل منه أو أبلى، قبح به هذا الحال، وكره له؛ لأن بذاذة اللباس ورِّثته مما تقذفها العيون، وتنشز عنها الطباع، فتلقي بصاحبها إلى الهوان، والالتفات إليه بألحاظ الازدراء.
وهذا هو الوجه في إنكاره"على الرجل في الحديث السالف، وأما الخروج عن المعتاد، والتطلع إلى ما هو أنفس وأغلى، فهو الذي رفضناه من حواشي الفضل، ونفينا أن يقفز بصاحبه درجة، قال المعري:"
إذا كان في لبس الفتى شرفٌ له ... فما السيف إلا غمده والحمائلُ
بل تجد أكثر الناس يستخفون بمن يتعدى طور أمثاله في ملبسه، ويعدونه سفهًا في العقل، وطيشًا مع الهوى.ص50
29_ وتوهَّم كثير من الأدباء أن الفصاحة وصف كمال في نفسه، فإذا اتفق لهم أن يبرزوا معنى في أسلوب فصيح، قذفوه بأفواههم، ولم يبالوا أن يكون ذلك المعنى عبثًا، أو خاذلًا لحق.
ونرفع مقالنا _ هذا _ أن نسوق فيه أمثلة من منظوماتهم السخيفة، ولا سيما أشعارهم التي قلبوا فيها بعض آداب شرعية، ومدائحهم التي وقعوا بها حول الشرك بواجب الوجود (1) . ص52
30_ وفي الناس من لم يتفقهوا في فضيلة الفصاحة، فإذا سمعوا ناطقًا يجهر بالعبارة، ويطلقها من لسانه بدون حبسة أدخلوه باعتقادهم في زمرة الفصحاء، دون أن ينظروا في تحقيق المطابقة بينها وبين المعاني التي قصد إفهامها.
والدرّاكة _ الذي بلغ علمه أقصى الشيء _ قد يرجِّح ذا العقدة في نطقه، حين يفرغ العبارة في عين الغرض، ويفضله عمن يرمي بكلامه المتتابع، وهو لا يصيب المفصل من المراد.ص52
(1) _ يعني به الله _ عز وجل _ فالوجود ممكن الوجود وهو المخلوق، وواجب الوجود وهو الخالق.