فهرس الكتاب
31_ وأما الوجاهة: وهي أن يحصل للرجل شأن يستهوي إليه نفوس قوم بمودة أو رهبة أو رجاء _ فتارة تكتسب باستقامة السيرة، وخلوص الطوية؛ فقد جرت سنة الله أن من صفت سريرته، وغزرت صالحاته، أحدقت إليه الضمائر الحرة، وأولته ودًا وانعطافًا، وهو ما وصف الله به عيسى _ عليه السلام _ في قوله: [وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ] آل عمران: 45.
وهذا الضرب من الوجاهة وصف شرف في نفسه، وإذا توسل به الوجيه إلى قضاء ما يهم الناس من المآرب كان سيادة فوق سيادة.
وتارة تدرك بحال تربي رهبة، كالقرب من ذي سلطة، أو تحدث رغبة، كثروة يطمع الطامعون أن يبلّوا صدى حاجاتهم من قطراتها، وهذا الضرب إنما يحتمله العد في مساق الفخر إذا خدم صاحبه المصلحة، وتناهى به إلى صنيع يشكر عليه.ص53
32_ وإذا اطلعت على أثر يقتضي البعد عن الوجاهة، فإنه مصروف إلى الحرص في طلبها، والتصنع لإحراز سمعة في المجامع الحافلة، والبلاد القاصية.
وأما إذا اندفعت همة الرجل إلى المكارم بجاذب ابتغاء الفضيلة، وطفق ذكره يتسع على حسب مساعيه المفيدة _ فذلك خير من العزلة والاختباء في زوايا الخمول.
قال _ تعالى _ فيما قصه من قول إبراهيم _ عليه السلام _: [وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ] الشعراء:84، وقال في سياق أقوال لقوم صالحين: [وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا] الفرقان: 74.ص53 _ 54.
33_ يقولون: إن الولاية معيار همم الرجال، وعدالتهم؛ فإنهم بِعَدِّها ثلاثة أصناف: فمنهم من يتمادى على سيرته الأولى، ولا ينتقل إلى حال تبعد عما عهد له في الإساءة أو الإحسان.
وبعضهم ينطوي على نفسٍ عاطفةٍ إلى الخير، فإذا جلس في منصب استعظم مكان الحقوق، وأخذ يفحص بخاطره عما يلزم اتخاذه من النظامات الكاملة بحفظها، ومتى اهتزت هذه النفس العاطفة أنبتت من التدابير المثمرة ما يبعثها مقامًا محمودًا.