فهرس الكتاب
ومنهم من يحمل في مخبآت صدره خبائث، وقد طبع على صناعة المخاتلة والاحتيال، فيحتفظ في سيرته جهده، ويتحاشى بظاهر عرضه أن يلوث بفضيحة، فإذا قبض بيده على سلطة خلع ثوب عفته المستعار، وغشي من المخازي ما يجعله هدفًا لسهام الطاعنين.ص54 _ 55
34_ لا يفوت الرئيس الذي يحمل النية السوداء، ويركب في المظالم مَتْنَ عمياءَ_ أن ينساق إلى ذوي نفوس حرة ينقرون له على وجه نقيصته، ويصبون في أذنه أقوالًا تفيقه من نشوة السلطة، وتكدر عليه حلاوتها إلى مرارة، وإن ملك قوة ورجالًا، واتخذ سلاسلًا وأغلالًا.
قتل الحجاج عبدالله بن الزبير÷، ثم أرسل إلى أمه _ أسماء بنت أبي بكر الصديق _ فأبت أن تأتيه، فانطلق يتبختر حتى دخل عليها، وقال لها: كيف رأيتِيني صنعت بعدو الله _ يعني ولدها عبدالله _ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، أَمَا إن رسول الله حدثنا أن في ثقيف كذابًا ومبيرًا _مهلكًا_ فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إِخالك إلا إياه.
فنفذ سهم هذه المقالة في فؤاده، فأفحمه وقام عنها.ص55
35_ العمل الفاضل ما دعا إليه منزّل الشرائع كلَّ واحد بعينه، كالعبادات، أو خاطب عليه الأمة لتقوم به طائفة منها، كالتعليم، وحماية الحقوق.
ولا يعد في محاسن الأعمال ما لا يُطَّلعُ له في دلائل الإسلام على ما يشهد باستحسانه. ص59
36_ وحطّ ابن خلدون من شأن التجارة، قال: لاستلزامها المكايسة في البيع والشراء، وخلقُ المكايسة بعيد عن المروءة التي تتخلق بها الملوك والأشراف، ثم ذكر ما يعرض لها من الغش والخِلابة، وتعاهد الأيمان الفاجرة.
وأنت إذا أمعنت في كلامه، واعتبرت المكايسة ضرورية للتجارة أخذت منه للتجارة حالين:
أحدهما: أن يرتكب صاحبها الغش والخلابة، وتعاهد الأيمان الكاذبة، وهي بالنظر إلى هذه الحالة نقيصة تنزع عنه ثوب المروءة، وتنزل به عن مرتبة الملوك والأشراف.