فهرس الكتاب
وترى بعض من ينتمي إلى العلم يعتقد الخير بما يصنعه طائفة من العامة في مظهر الطاعة، ويدافع عنهم صولة المنكرين بتحريف وتأويل، ولو قلت له أدخل يدك في أيديهم، وضُمَّ صوتك إلى أصواتهم، ونقِّر على ما ينقرون، فإما أن يستفيق من غفوته، أو يعتذر بأن هذا يقبح بمثله عادة.
والذي يقطع هذه المعذرة، أن صوت العادة أضعف صدى، وأحقر من أن يسمع في تقبيح ما يُحسِّنه منزّل الشريعة، ويجعله وسيلة يبتغي بها الفوز بالمثوبة، والزلفى عنده.ص62 _ 63
38_ يورد الواصفون لحال حياة الرجل شؤونًا تساعفه بها صروف الأقدار، ويقصدون بها الدلالة على عظم مكانه في الفضيلة، مثل صحبة العظماء؛ فقد جرت العادة أن من اتصل برجل خطير قاصدًا الاستقاء من معارفه، أو الاقتداء بسيرته _ لا يفوته أن يفيض عليه من تحقيقات علومه، أو يخلع عليه بردة من ملابس آدابه.ص64
39_ ومن هذا ولاية منصب عظيم، كالقضاء والإمارة والوزارة؛ فإنه يجري في الظنون أن لا يستخلص لهذه المقامات إلا ذو كفاءة، وإنما يصح الاعتماد في شرف الرجل على مجرد الولاية بدون نظر في سيرته، أو تتبع آثاره _ إذا ثبت أن تقليده بها صدر من عارف بحقائق الرجال، ذي عدالة تصده أن يوسد الأمر إلى غير أهله.ص64
40_ إنما يكره العلماء السكنى بالقرى وإن كانت وطنًا، ويقصدون إلى الإقامة بالحواضر؛ لأن سوق العلم فيها نافقة، والحرص على التعلم بها أقوى؛ فيجد العالم من الراغبين في الاستفادة سبلًا مفتوحة، ودواعي باعثة على المطالعة والتحرير.
كان الشيخ عز الدين بن عبدالسلام بدمشق، ثم خرج إلى الديار المصرية؛ لغضب الأمير إسماعيل أبي الخيش عليه، حين أنكر عليه الشيخ إعطاء بلد صيدا وقلعة الشفيف إلى الإفرنج، فلما مر بالكرك تلقاه صاحبها، وسأله الإقامة عنده، فقال له: بلدك صغير على علمي، ولما وصل إلى القاهرة عرف سلطانهم نجم الدين أيوب قيمته؛ فأكرم نزله.ص66