الصفحة 223 من 442

41_ ويرجحون الرجل بكثرة أتباعه، ومعتقدي أفضيلته، وهذا وزن صحيح إن كان هؤلاء الأتباع من أولي الأحلام الراجحة، والألمعية المنقَّحة.

أما إذا كانوا فيمن عميت عليهم سبل السيادة، ولا فارِق عندهم بين المكارم وأضدادها _ فلا ترجح بهم صحيفته، وإن كانوا أكثر من الحصى.ص66

42_ وإذا اعترفوا بالفضل لرجلين: أحدهما: حاضر لديهم، والآخر لم تقع عليه أعينهم، جرى في ظنهم أن الغائب أوسع فضلًا، ورفعوه في اعتبارهم مرتبة.

ومن علل هذا أن المقررين لأحوال ذوي الفضل محادثة أو كتابة إنما يتعرضون في الغالب إلى محاسنهم، وقلما يذكرون لهم سيئة من أعمالهم؛ فإذا تلقى الإنسان ترجمة فاضل تصوره بصورة كامل خَلُصَ من كل عيب، بخلاف اعتقاده بفاضل شهد شخصه، وراقب سيرته؛ فإنه يطلع له أحوال لا يستحسنها بمقتضى ذوقه أو عادته، أو كانت مما يؤاخذ به الفضلاء، وشأنه أن يندمج في فضائلهم، وتغطي عليه محاسنهم، ومن هنا نشأت المقالة السائرة: =إن الخبر عن الغائب فوق المشاهدة+.ص66 _ 67

43_ ومن هذا حسن التركيب، وجمال المنظر، فلا يعد في نفس الفضيلة، وإنما هو كالعلامة الرامزة إلى حسن الخلق، فإنه _ كما يقول الحكماء _: دال على اعتدال المزاج، وإذا اعتدل المزاج كان منشأ للأفعال الجميلة غالبًا، ومن هنا قال الفقهاء بتقديم صبيح الوجه إلى الإمامة، إذا ساوى غيره في شرائطها، وأوصاف كمالها.

فإن تخلف عن وسامة المحيا حريةُ الطبع، وشهامة الخاطر _ انفصل عن محل الاعتبار في نظر الشارِع وعادةِ الفضلاء، قال المتنبي:

وما الحسن في وجه الفتى شرف له ... إذا لم يكن في فعله والخلائقِ

ص67

44_ ووُضِعَ في الطبائع إجلالُ العالي في السن، وتفضيلُه على من هو أقصر أجلًا، أو أقرب عهدًا بالحياة منه.

والسر في هذا أن الشيخ بامتداد حياته، وطول تجاربه _ صار مظنة لأن يكون أوسع علمًا، وأرسخ في الأخلاق الفاضلة.

ما استقامت قناة فكريَ إلا ... بعد أن قوَّسَ المشيب قناتي

ص68

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت