فهرس الكتاب
45_ ولهذا ترى الأشيب أقدر على مقاومة الهوى، وأصوب رمية في وجه السياسة غالبًا، بخلاف الشباب؛ فإنه يكثر فيهم الجهل بالعواقب، ويأخذهم السرف في اتباع الزينة والملاهي بسهولة؛ وبهذا كان للإقبال على الطاعة في حالة الشبيبة مزية على القيام بها في حال مشيب، كما قال"في حديث سبعة يظلهم الله في ظله: =وشاب نشأ في طاعة الله+."
فإذا عاش الطاعن في السن وهو يجري مع شهواته بغير عنان، ولم يستفد من تصاريف الزمان ملكة قياس الوقائع بأشباهها _ فلا يستحق لطول عمره تجلة.
إذا لم يكن مر السنين مُترجِمًا ... عن الفضل في الإنسان سميته طفلا
وما تنفع الأيام حين تعدُّها ... ولم يستفد فيهن علمًا ولا فضلا
ص68
46_ وينبهون على شأن الرجل بالحديث عن رحلته إلى الأقطار، والمدن الآهلة بالعلماء والفضلاء؛ فإن الناهض في الأسفار قلما يفوته أن يلاقي عالمًا، أو فاضلًا يقتبس من لقائه مسائل أو أساليب أو شمائل لا يتوفَّق لها في وطنه. ص69
47_ وقد خففت كثرةُ التآليف، وقيام المطابع بنشرها شدةَ الحاجة إلى الرحلة من الجهة العلمية. ص69
48_ وجرى في قريض أبي الطيب المتنبي، أن من دلائل كمال الرجال رميَ الناقص له بسباب، حين يقول:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كاملُ
ووجه هذا: أن الوضيع لا تلتفت همته إلى من كان واقفًا في صفه من الأسافل، فتحدثه بأن يلغ في أعراضهم بالمذمة؛ لأنه غني في نشر مثالبهم بما تلبسوا به من الفضائح، حتى إذا ألقى نحوهم بسبة رماها على شفته من غير حرص وشدة اهتمام بالتحدث بها.
وإنما تتوجه همته بمجامعها إلى الرجل الكامل، حيث يقصد إنزاله في معتقد الجمهور إلى مدرجته، أو ما هو أسفل منها.ص69
49_ طبع البشر على أنهم إذا عرفوا رجلًا بنعت شرف أكبروه في قلوبهم، وهابوه في نفوسهم بمقدار ما يعتقدون فيه من الكمال.
ويشاهد أثر ذلك الإجلال في بعض أحوالهم الظاهرة عند مواجهته.ص77