فهرس الكتاب
50_ تنوعت الهيئات التي يقصد بها إجلال الرجل العظيم؛ بحسب اختلاف عوائد الأمم، وأذواقهم إلى أنواع شتى لا داعي في هذه الورقات إلى استقرائها، وإنما نأتي على المنهج الذي يلائم النفوس الفاضلة، ويسعها أن تسلكه عن رِضًا وسماحة خاطر.ص77
51_ يتجلى لك هذا المنهج إذا أنست رجلًا سليم الفطرة، حاضر العقل، ولم يحدث له رجاء، ولا رهبة من الرجل الأفضل؛ فإنه لا يصدر عنه من شعائر الاحترام عندما يلاقيه أكثر من أن يبسط يده إلى مصافحته، ويطلق لسانه بتحيته، أو بما يستحق من التمجيد، وإذا تواصلت بينهما المحادثة سلك في خطابه سبيل الأدب الجميل، وتلقى مطالبه بحسن الطاعة.ص77
52_ طالعِ التاريخ ترَ الرجل من آحاد الرعايا يدخل في مجلس عمر ابن الخطاب÷فلا يزيد على التحية الإسلامية، فيقتنع الخليفة برسم هذه التحية، ويرد عليه بمثلها أو أحسن منها، وما كان ابن الخطاب يجهل أن الرجل يحترمه بقلبه لأنه لم يلثم راحته، ولم يلبس ثوب العبودية بين يديه، بل كان على خبرة بأن هذا الذي اقتصر في تحيته على ما أمر الإسلام يوقره في صدره، ويحافظ على طاعته في الغيب، كما يسارع إلى امتثال أمره عند الشهادة.
يعلم هذا، ولا نحتاج إلى أن نسند علمه إلى نور إيمانه، وصفاء سريرته، ولكنه كان على بصيرة من سيرة نفسه العادلة، وتصرفاته المحكمة، وهي لا تثمر في قلوب الرعية إلا المهابة والتعظيم.ص77 _ 78
53_ ترى الوجهاء الذين لم يبلغوا رشدهم في المعرفة، ولم يثقوا من أنفسهم بالعدالة_ أعلقَ همة، وأشد حرصًا على أن يحتفظ لهم الناس بهذه المظاهر البالغة، ولهذا لا تجدهم ينظرون إلى سليم الفطرة نيِّر القريحة بانعطاف وإعجاب؛ لأنه يجري في معتقدهم أن من كان بتلك الصفة لا تسمح به همته بأن يتمضمض عندهم بعبارات التملق والإطراء، وينعت نفسه باسم المملوك ومقبِّل الأعتاب.