الصفحة 226 من 442

وهذا على خلاف سنة الوجيه، الذي امتلأ معارف، وتمكن من فضيلة العدل، فإنه يكون في غنىً بِلَذَّة الحكمة والاستقامة عن أن ينتصب الناس لرؤيته قائمين، أو يضعوا شفاههم على ظاهر راحته لاثمين.ص79

54_ وأما تنبيه الرجل عن محاسن نفسه، وتحدثه بمزاياه فإنما سوغه العلماء في مواضع ذكرها السيوطي في تقييده المسمى بـ: (نزول الرحمة في التحدث بالنعمة) .

قال: ومنها إذا لم يُنْصف، أو نوزع، أو كان بين قوم لا يعرفون مقامه، ويستدل لذلك بعمل أبي بكر الصديق÷فإنه لما ولي الخلافة خطب فقال: أما بعد: أيها الناس، فإني قد وليت عليكم، ولست بخيركم.

فجرى على قاعدة التواضع، ثم بلغه عن بعض الناس كلام، فخطب وقال: ألست أحق الناس بها؟ ألست أول من أسلم؟ ألست صاحب كذا، ألست صاحب كذا؟. أخرجه الترمذي وابن حبان في صحيحه.

ثم قال (1) : ووقائع العلماء في تحدثهم بمثل هذا لا تحصى.

ومن هذا ما حكى القاضي تاج الدين السبكي عن والده الشيخ تقي الدين: أنه طلب من خازن كتب المدرسة الظاهرية أن يعيره من الخزانة كتابًا، فتمنع عليه، فغضب السبكي وقال: مثلي لا يحتاج إلى كتب هذه الخزانة، بل كتب هذه الخزانة محتاجة إلى مثلي يحررها.

ومما ينتظم بهذا الصدد ما قصه الله _ تعالى _ في قول يوسف _ عليه السلام _ لمن لا يعرف صفة عدالته وعلمه: [اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ] يوسف: 55.ص79 _ 80

_ =نبذة عن المؤلف+:

هو العلامة اللغوي محمد المكي بن الحسين علم من أعلام الأدب واللغة ونادرة من نوادر اللغويين في زمانه، قل أن يوجد مثيل له في فكره الغواص في بحر العربية، يفتش في أعماقه عن أجمل ما في التراث العربي، ويبحث بجلد وصبر عن مكنوناته، فيصقلها صقل البارع في المهنة، السباق في ميدانها، ويضمها عقودًا متناسقة، في بحوث لها روعتها وجمالها.

(1) _ يعني السيوطي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت