الصفحة 307 من 442

وورد معز الدولة هذا المِصْر، فسأله عني سرًا، فأثنى خيرًا، وقال: ما قطَنَ مصرنا غريب أعظم بركة منه، وإنه لَجَمالُنا عند المباهاة، ومَفْزَعُنا عند الخلاف!

ولقد سألني معز الدولة عنه سرًا، فأثنيت خيرًا، وقلت: أيها الأمير، والله ما نشأت فتنةٌ في هذا المصر إلا وهو كان سبب زوالها، وإطفاء ثائرتها، وإعادة الحال إلى غضارتها ونضارتها!

فقال معز الدولة لأبي مخلد سرًا: كيف الحال بينهما؟ _ يعنينا _ فقال: بينهما نُبوٌّ لا ينادى وليدُه، وتعادٍ لا يلين أبدًا شديدُه.

فقال: لئن كان كما تقول فإنهما ركنا هذا البلد، وعدَّتا هذا السواد، اجعلهما عينيَّ أبصر بهما أحوال الناس في هذا المكان، وأعوِّل عليهما في ما يريان ويشيران، فخلا بي أبو مخلد وبصاحبي، وتقدم إلينا عن صاحبه بما زادنا بصيرةً وتألفًا إلى هذه الغاية.

ثم قال أبو حامد: والله إن عداوة العاقل لألذُّ وأحلى من صداقة الجاهل؛ لأن الصديق الجاهل يتحاماك بعداوته، ويُهدي إليك فضل عقله ورأيه، ومن فضل عداوة الجاهل أنك لا تستطيع مكاشفته حياءًا منه، وإيثارًا للإرعاء عليه، ومن فضل عداوة العاقل أنك تقدر على مغالبته بكل ما يكون منه إليك.

ثم قال: وما أظن أنه كان فيما مضى إلى وقتنا هذا متصادقان على العقل والدين، مثل أبي بكر وعمر، ومن يتحرى أخبارهما، ويقفو آثارهما وقف على غورٍ بعيد، هذا مع العُنجهية المصحوبة أيام الجاهلية، والعَجْرفية المعتادة أوان الكفر، فلما أنار الله قلوبهما بالإيمان رجعا إلى عقل نصيح، ودين صحيح، وعرفان بالعرف والنكر، ونهوض بكل ثِقْل وخِف، وإني لأرحم الطاعن فيهما، والنائل منهما؛ لضعف عقله ودينه، وذهابه عما خصا به، وعَمَّا فيه، وميزا عنه، ورقيا إليه، واندفع في هذا وشبهه، وكان والله بليل الريق، يستحضر كيف شاء بالطويل والعريض، والجليل والدقيق.ص59 _ 61

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت