فهرس الكتاب
26_ قال ابن مناذر: كنت أمشي مع الخليل فانقطع شِسْعُ نعلي فخلع نعله، فقلت له: ما تصنع؟ قال: أواسيك بالحفاء.ص55
27_ قال بعض السلف: ابذل لصديقك دَمَك ومالَك، ولمعرفتك رِفْدك ومحضَرك، ولعدوك عدلَك وإنصافَك.ص57
28_ مرَّ بخالد بن صفوان صديقان، فعرَّج عليه أحدهما وطواه الآخر، فقيل له في ذلك، فقال: عرج علينا هذا لفضله، وطوانا ذاك لثقته.ص58
29_ قال العوامي: الصديق يرتفع عن الإنصاف، ويجلُّ _أيضًا_ عن الهجران؛ لأن الإنصاف ينبغي أن يكون عامًا مع الناس كلهم، وأما الهجران فالعاقل لا يسرع إليه لعدم الإنصاف بل يستأني، ويقف، ويكظم، ويتوقع، ويرى أن العارض في الأمر لا يُزال به الأمرُ الثابت، والعرقُ النابت.ص58
30_ وكان بين القاضي أبي حامد المرُّوذي وبين ابن نصرويه العداوة الفاشية، والشحناء الظاهرة (1) ، فكان إذا جرى ذكر ابن نصرويه أنشد:
وأبى ظاهرُ العداوة إلا ... طغَيانًا وقولَ ما لا يقالُ
وكان يقول: والله إني بباطنه في عداوته أوثقُ مني بظاهر صداقة غيره، وذاك لعقله الذي هو أقوى زاجر له عن مساءتي، إلا فيما يدخل في باب المنافسة؛ ولهذا استمر أمرنا أربعين سنة، من غير فحاشة ولا شناعة، ولقد دعيتُ إلى الصلح فأبيتُ، فقلت: لا نحرك الساكن منا، فَلِقَدِيمِ العداوة بالعقل، والحفاظ من الذمام والحرمة ما ليس لحديث الصداقة بالتكلف والملق.
ولقد وقفني مرة على ضربة تأتت له عليَّ كان فيها البوار، كفَّ عنها، وأخذ بالحسنى، فأريته أختها، وكانت خافيةً عنده، فقال: لولا علمي بأنك تسبق إلى مثل هذه ما قابلتك بتلك، فقلت: هو والله ذاك.
ووالله لقد ضرني ناس كانوا ينتحلون مودتي، ويتبارون في صداقتي؛ لضعف نحائزهم (2) ، ولؤم غرائزهم، ولقد ثبت لي هو في عداوته على عقل وتذمم، أفضيا بهما إلى سلامة الدين، والنفس، والحال.
(1) _ هذه قصة عجيبة تؤكد الحكمة القائلة: إن العدو العاقل خير من الصديق الجاهل.
(2) _ نحائز: جمع نحيزة، وهي الطبيعة.