فهرس الكتاب
28_ ولما تجاسر كثير من أهل الأهواء على اختلاق أحاديث يفترونها كذبًا، ويسندونها إلى رسول الله"ليؤيدوا بها مزاعمهم، أو يقضوا بها حاجة في نفوسهم _ قام العلماء بحق الوراثة المنوطة بعهدتهم من قبل صاحب الشريعة، وأخذوا في نقد ما يروى من الأحاديث؛ حتى يتميز الخبيثُ من الطيب، والصحيح من غير الصحيح؛ فاحتاجوا إلى التعرض لحالة الرواة، وإذا علموا من أحد سوءًا بادروا إلى الجهر به، وتعيين اسمه؛ ليحذِّروا الناس، ولا يتلقون روايته بالقبول. ص55"
29_ وقد دارت هذه الكلمة _ كلمة الحرية _ على أفواه الخطباء، ولهجت بها أقلام الكاتبين ينشدون ضالتها عند أبواب الحكومات، ويقفون عند مكانها، وتمكين الراحة من مصافحتها _ وقوفَ شحيحٍ ضاع في الترب خاتمه. (1) ص16
30_ ينصرف هذا اللقب الشريف _ الحرية _ في مجاري خطابنا اليوم إلى معنى يقارب معنى استقلال الإرادة، ويشابه معنى العتق الذي هو فك الرقبة من الاسترقاق.
وهو أن تعيش الأمة عيشةً راضية تحت ظل ثابت من الأمن، على قرار مكين من الاطمئنان.
ومن لوازم ذلك أن يعيَّن لكل واحد من أفرادها حدٌّ لا يتجاوزه، وُتَقَّرَر له حقوق لا تعوقه عن استيفائها يدٌ غالبة؛ فإن في تعدي الإنسانِ الحدَّ الذي قضت عليه أصولُ الاجتماع بالوقوف عنه _ ضربًا من الإفراط.
ويقابله في الطرف الآخر حرمانه من التمتع بحقوقه؛ ليستأثر غيره بمنفعتها، وكلا الطرفين شعبة من شعب الرذائلِ، والحريةُ وسطٌ بينهما على ما هي العادة في سائر الفضائل. ص16
31_ ومن كشف عن حقيقتها _ يعني الحرية _ المفصِّلةِ ستارَ الإجمالِ أَشْرَفَ على أربع خصال مندمجة في ضمنها:
(1) _ هذا تضمين لقول أبي الطيب المتنبي:
بَلَيْتُ بِلِى الأطلال إن لم أقف بها
وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه