فهرس الكتاب
فلا يتهم ربه فيما يجريه عليه من أقضية وأقدار، وذلك يوجب له استواء الحالات عنده، ورضاه بما يختاره له سيده، كما يوجب له انتظار الفرج وترقبه، وذلك يخفف حمله المشقة، ولا سيما مع قوة الرجاء أو القطع بالفرج؛ فإنه يجد في حشو البلاء من رَوْح الفرج ونسيمه وراحته ما هو من خفي الألطاف، وما هو فرج مُعَجَّل.
6_ الصبر وقوة الاحتمال: فالإيمان بالقدر يثمر لصاحبه عبودية الصبر على الأقدارِ المؤلمةِ، والصبرُ من جميل الخلال، ومن محمود الخصال، له فوائده الجمَّة، وعوائده الكريمة، وله عواقبه الجميلة، وآثاره الحميدة.
وكل أحد من الناس لابد له من الصبر على بعض ما يكره، إما اختيارًا وإما اضطرارًا؛ فالكريم يصبر اختيارًا؛ لعلمه بحسن عاقبة الصبر، وأنه يُحمد عليه، ويُذَمُّ على العجز، وأنه إن لم يصبر لم يردَّ عليه الجزعُ فائتًا، ولم ينتزع من مكروهًا؛ فمن لم يصبر صَبْر الكرام سلا سلوَّ البهائم.
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ÷: =وجدنا خير عيشنا بالصبر. +
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ÷: =الصبر مطية لا تكبوا. +
وقال الحسن ×: =الصبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده. +
وصدق من قال:
والصبر مثل اسمه مرٌّ مذاقته ... لكنْ عواقبُه أحلى من العسل
ولهذا تجد المؤمن بالقدر صبورًا متجلدًا، ويتحمل المشاق، ويقوم بالأعباء.
بخلاف ضعيف الإيمان بالقدر، الذي لا يقوى على احتمال، ولا يصبر على أدنى شيء يعترضه؛ بسبب ضعف إيمانه، ورخاوة نفسه، وانزعاجها العظيم للشيء الحقير؛ فما إنْ يصاب بالتافه من الأمر حتى تراه حَرِج الصدر، لهيف القلب، كاسف الوجه، ناكس البصر، تتناجى الهموم في صدره فتقض مضجعه، وتؤرق جفنه، وهي وأكبر منها لو حدثت لمن هو أقوى منه إيمانًا واحتمالًا _لم يُلقِ لها بالًا، ولم تحرك منه نفسًا، ولَنَامَ ملء جفونه، رضيَّ البال، قرير العين.