فهرس الكتاب
ولهذه الأمور وأمثالها أثرٌ على النفس؛ فالفقر قد يقود إلى الذلة والخنوع، والغنى قد يتغير به الطبع، فلا تبقى الأخلاق على اعتدال، ولا يَقْدُر معه المرء على احتمال.
وكذا الولاية قد تحدث في الأخلاق تغيرًا، وعلى الخلطاء تنكُّرًا، إما من لؤم طبع، وإما من ضيق صدر.
وفي مقابل ذلك العزلُ، فقد يسوء به الخلق، ويضيق به الصدر؛ إما لشدة أسف، أو لقلة صبر.
وهكذا لا تستقيم الأحوال على حد الاعتدال؛ لأن في العباد قصورًا، وجهلًا، وضعفًا، ونقصًا.
إلا من آمن بالقدر حقيقة؛ فلا تبطره النعمة، ولا تُقَنِّطه المصيبة؛ فلا تطيش به الولاية في زهو، ولا ينزل به العزل في حسرة، ولا يحمله الغنى على الأشر والبطر، ولا ينحط به الفقر إلى الذلة والخضوع.
فالمؤمنون بالقدر حقيقة يتلقون المسارَّ والمحابَّ بقبول لها، وشكر لله عليها، واستعانة بها على أمور الدين والدنيا، فيحصل لهم من جراء ذلك من الخيرات والبركات ما تتضاعف به مسراتهم.
ويتلقون المكاره بالرضا، والاحتساب، والتحمل، والمقاومة لما يمكنهم مقاومته، وتخفيف ما يمكن تخفيفه، وبالصبر الجميل لما لابد لهم منه؛ فيحصل لهم بسبب ذلك خيراتٌ عظيمةٌ تضمحل معها المكاره، وتحل محلها المسار والآمال الطيبة.
17_ السلامة من الحسد والاعتراض: فالإيمان بالقدر يقضي على كثير من الأمراض التي تفتك بالمجتمعات، وتزرع الأحقاد بينها، وذلك مثل رذيلة الحسد، فالمؤمن بالقدر لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله؛ لإيمانه بأن الله هو الذي رزقهم وقدر لهم أرزاقهم، فأعطى من شاء، ومنع من شاء، ابتلاءً، وامتحانًا، وبذلك يدرك المؤمن أنه حين يحسد غيره إنما يعترض على قدر الله.
فإذا آمن بالقدر سَلِم من الحسد، وسَلِم من الاعتراض على أحكام الله الشرعية، وأقداره الكونية، وسَلَّم لله في جميع أموره.