فهرس الكتاب
19_ تحرير العقول من الخرافات ولأباطيل: فمن بدهيات الإيمان بالقدر الإيمان بأن ما جرى وما يجري، وما سيجري في هذا الكون إنما هو بقدر الله _عز وجل_ وأن قدر الله سرٌّ مكتومٌ، لا يعلمه إلا هو، ولا يُطْلِع عليه أحدًا إلا من ارتضى من رسول؛ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا.
ومن هذا المنطلق تجد المؤمن بالقدر لا يعتمد على الدجالين والمشعوذين، ولا يذهب إلى الكهان والمنجمين والعرافين؛ فلا يعتد بأقوالهم، ولا ينطلي عليه زيفهم ودجلهم؛ فيعيش سالمًا من زيف هذه الأقاويل متحررًا من جميع تلك الخرافات والأباطيل.
20_ سكون القلب وطمأنينة النفس، وراحة البال: فهذه الأمور من ثمرات الإيمان بالقدر، وهي داخلة في كثير مما مضى ذكره من الثمرات، وهي مطلبٌ مُلِحٌّ، وهدف منشود وغاية مُبْتَغاةٌ؛ فكل ما في الأرض يبتغيها، ويبحث عنها، ويسعى لها سعيها، ولكن كما قيل:
كل من في الوجود يطلب صيدًا
غير أن الشباك مختلفاتُ
فلا يدرك هذه الأمور، ولا يجد حلاوتها، ولا يعلم ثمرتها_ إلا من آمن بالله وقضائه وقدره؛ فالمؤمن بالقدر ساكن القلب، مطمئن النفس، مرتاح البال، لا يفكر كثيرًا في احتمال الشر، ثم إن وقع لم يَطِرْ له قَلْبه شَعَاعًا، بل يحتمل ذلك بثبات وصبر؛ إنْ مرضَ لم يُضَاعف مرضه بوهمه، وإن نزل به مكروه قابله بجأش رابط فخفف حِدَّته؛ فمن الحكمة ألا يجمع الإنسان على نفسه بين الألم بتوقع الشر، والألم بحصول الشر.
بل يسعد ما دامت أسباب الحزن بعيدة عنه، فإذا حدثت قابلها بشجاعة واعتدال.
وإنك لتجد عند خواصِّ المسلمين من العلماء العاملين والعباد القانتين المتبعين من سكون القلب وطمأنينة النفس ما لا يخطر ببال، ولا يدور حول ما يشبهه خيال؛ فلهم في ذلك الشأن القِدْحُ المعلى، والنصيب الأوفى.
فهذا أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز _رحمه الله ورضي عنه_ يقول: =أصبحت وما لي سرور إلا في القضاء والقدر. +