فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 27

والشرعية، يظهر ذلك جليًا عند من جعل الله له بصيرة، وانقاد لا تباع الحق، فكم من الناس طاشت سهامهم يلتمسوا أقوال الناس ورضاهم، ولكن جعل الله _ عز وجل _ ذلك سُخْطَةً عليه، وأسخط عليه الناس؛ لأنه ما أرضى الله، بل أرضى الناس، فسخط الله عليه وأسخط عليه الناس.

ومن الواجب على من أراد الحق، وأراد إتباع سبيل إمام العلماء سيد الأنبياء، فلينظر إلى حقيقة الميزان الذي ورثه، فالعلماء هم ورثة الأنبياء فعليهم اتباعه في سبيله والنظر إلى حاله، ولْيُعْلَم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما أنه وَرَّثَ العلم ورث كذلك تبعاته، فإن العلماء يرثون العلم ويرثون تبعاته، وتبعاته كثيرة، الرفعة في الدنيا والآخرة، والابتلاء في الدنيا.

ولذلك من أعظم ما ينبغي لأهل العلم والمعرفة، وطلاب العلم، أن يصونوا العلم ليصونهم، فلا يطلبوا به حظوة ولا يطلبوا به مدحًا، ولا يخافوا به ذما، فإن ترقبوا شيئًا من ذلك أسقطهم الله بسيئ عملهم، ومن صان العلم من أهل العلم صانهم ورفعهم، ومن لم يصن العلم لم يصنهم الله، ولذلك يقول الفضيل:"لو أن أهل العلم شحوا على دينهم، وأكرموا العلم وصانوه، وأنزلوه حيث أنزله الله، لخضعت لهم رقاب الجبابرة، وانقاد لهم الناس، ولو اشتغلوا بما يعنيهم لعز الإسلام وأهله، لكنهم استذلوا أنفسهم، ولم يبالوا بما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم، وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا ما في أيديهم، فذلوا وهانوا على الناس."

وقد حذر الله من الركون إلى شهوات الناس ومطامعهم، وحب إرضائهم، وجعل الله الفيصل بين العالم الحق وغيره هو الميل مع ذلك، أو مع كلام الله.

فمن مال مع كلام الله ارتفع، ومن مال مع كلام الناس وشهواتهم وأقوالهم وأرائهم وحبهم وُضِع.

ولذلك يقول سفيان ابن عيينة:"ما ازداد الرجل علمًا فازداد من الدنيا قربًا إلا ازداد من الله بعدًا"وهذا هو الميزان.

ومن أعظم ما يجعل الإنسان قائما بالحق آمرًا بالخير ناهيًا عن الشر، ألا يجعل لأحد من أهل الدنيا عليه مِنَّة، خاصة من أهل الضلالة والغواية، وأهل السيادة والمال والجاه، ومعلوم أن الغَلَبَة في أهل الجاه أنهم على غير هداية تامة، ولذلك قال الله: (( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) ) [الإسراء:16] .

ولقد كان العَالِمُ الحق لا يسأل أحدًا من الناس شيئًا من مسائل الدنيا يكون بسؤاله ذلك عليه مِنَّة، ولا يُحَابي بقوله أحدًا ولا يجامله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت