فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 27

، ومدح الناس وخشية سبهم وعارهم، فقال:(( والله لولا خشية أن تعيرني بها قريش لأقررت بها عينك [1] .

فقال - ومات على ذلك-: هو على ملة عبد المطلب.

ولذلك كان رؤوس الكفر والضلال في هذه الأرض باقون على كفرهم، رغبة بالحظوة والهيئة والرفعة عند الناس، والسيادة، وهذا فرعون لما أدركه الغرق وهو يعلم أن الله واحد لا إله إلا هو، وكان قد ظن أن سيادته لا تبقى إلا بالكفر وإدعاء الربوبية، وغابت عنه تلك الحقيقة الكونية والحقيقة الشرعية أن الله يرفع الذين أمنوا القائمين بالحق في هذه الدنيا والآخرة، فلما أدركه الغرق تلاشت تلك الحظوظ، وتمزق نورها المزيف في عينيه، واستحال إلى ظلام دامس، احتاج إلى الرفعة، ونظر بنظرة متجردة فقال: (( آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ) ) [يونس: 90] .

وتوبة الله تدرك العبد ما لم يغر غر.

روى الإمام الترمذي [2] وغيره من حديث عدي بن ثابت وعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس مرفوعًا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (( قال لي جبريل قال: لقد رأيتني يا محمد وإني آخذ من حال البحر فأدسه في فم فرعون مخافة أن تدركه الرحمة ) ).

ومن نظر إلى هرقل وكسرى وحال هرقل لما جاءه أبو سفيان [3] ، وعرض عليه ما عنده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخشي من اتباعه وخشي فوت الرئاسة والحظوة، فمنعه ذلك من الإيمان بالله.

وإن من أعظم ما يحول بين الإنسان وبين القيام بالحق على اختلاف حال الإنسان، سواء أكان كافرًا أم مؤمنًا جاهل عاصيًا أو عالمًا أياًّ كان هو حب الحظوة والنظر إلى حال الناس، والرفعة والتمكين، ويغيب عنه أن الرفعة والتمكين هي بقول الحق، وبتأمل يسير لسنن الله الكونية

(1) ـ البخاري (1360) ومسلم (42) من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه.

(2) ـ الترمذي (3107) من حديث ابن عباس _ رضي الله عنه، وقال الترمذي _ رحمه الله _ (حديث حسن) .

(3) ـ صحيح البخاري (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت