فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 27

2 -ومستهزئون أضافوا إلى كفرهم استهزاءً بكلام رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ فتنقصوا وعيروا وسبوا وهددوا،

فأمر الله نبيه ألا يراقب إلا الله (( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ(إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ ) ) [الحجر: 94، 95] .

ومن أعظم ما يصد الإنسان عن اتباع الحق وسلوكه هو ما لديه من حظوة ورفعه وسيادة عند الناس يخشى فواتها، ولذلك كفار قريش ما اعرضوا عن اتباع محمد _ صلى الله عليه وسلم _ إلا لما كان لديهم من حظوة وسيادة، وخوف من العار وسقوط ما لديهم من حظوة في الأرض يظنونها، مع أنهم رأوا الحق بأعينهم فأحجموا عن القول به، قال الله عنهم: (( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) ) [النمل: 14] . جحدوا باتباع محمد والبوح بما لديه من الحق (( وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) ) [النمل: 14] .

وهذا أبو طالب وهو أقل الناس عذابًا يوم القيامة قد صَدَّقَ بمحمد _ صلى الله عليه وسلم _ بقلبه، ولكنه كفر بلسانه لأنه يخشى العار والشنار بزعمه، ويخشى فوات الحظوة، ويخشى السقوط عند الناس، مع أنه قد صَدَّقَ بمحمد _ صلى الله عليه وسلم _، ويعلم بقلبه أنه قد جاء بدين الحق، ولذلك قال في قصيدته المشهورة [1] في مدح رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _:

والله لن يصلوا إليك (أي يا محمد) .

والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غظاظة ... وأبشر بذاك وقر بذاك عيونا

ودعوتني وزعمت أنك صادق ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا

وعرضت دينا قد عرفت بأنه ... من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني ساع بذاك يقينا

لِم؟ خشية العار والمسبة والوقيعة في العرض، وخوف فوت السيادة، فأسخط الله وأسخط النبي _ صلى الله عليه وسلم _، فبقى ذكره مضرب مثل للناس أنه أقل الناس عذابًا يوم القيامة.

وكان رسول الله عنده يقول له: (( قل لا إله إلا الله ) )فنظر إلى هذه الكلمة وهذا الحق، دعاه إليه الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ وهو يعلم بقلبه أنه الحق، فنظر إلى السيادة والهيئة والرفعة

(1) ـ البيهقي في دلائل النبوة (2/ 188) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت