أهل العلم لا يسعون إلى إرضاء الناس وإنما أخذ الله عليهم الميثاق ألا يرضوا إلا الله، وإن سعوا إلى إرضاء الناس، واتكلوا على أقوالهم ورضاهم، وتهيبوا سخطهم سَخِطَ الله عليهم وأبعدهم، ولذلك كان أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم يلتمسون رضا الله، لا يتهيبون أحدًا، مهما كان في قول الحق.
فما من أحد يسلم من قول الناس ونقدهم، وإذًا ما بقي إلا اتباع الحق والقول به، والإعراض عن النقد مادام الطريق نزيهًا واضحًا، ولذلك يقول أبو مسلم الخولاني:"كان الناس أوراق لا شوك فيه، وهم اليوم شوك لا أوراق فيه، إن سَبَبْتَهُم سَبُّوك وإن ناقدتهم نقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك، وإن فررت منهم أدركوك، فقال له رجل كيف أصنع؟ قال: أعط من عرضك ليوم فقرك"أي سلمهم عرضك ما دمت تقوم بالحق، أعطهم من ذلك ليوم فقرك، حينما يجتمع الخصوم عند الله، فتكون فقيرًا تحتاج إلى شيء يسير، يأتي إليك الغنى من أقوالهم وذمهم وطعنهم في عرضك، فَتُرْفَعُ عند الله منزله، كما قال _ عليه الصلاة والسلام _(( يخرج المؤمنون من النار، فيوقفون على قنظرة بين الجنة والنار، فيقتصون حقوقًا كانت بينهم [1] .
ولذلك أُمِرَ أهل الحق وأهل العلم، قَلَّ العلم عندهم أو كثر، ألا يراقبوا إلا لله في قولهم وفعلهم، فإنهم إن راقبوا الله نصرهم الله في الدنيا، ونصرهم وآمنهم يوم الفزع الأكبر.
* ومن العقبات التي تحول دون القيام بأمر الله: النظر إلى أهل الحظوة والهيئات، والطمع فيما عندهم، أو خشية فوات الرفعة والمكانة إن قال العالم بما يعلم، ولذلك كان رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ لما بُعِثَ في قريش كان منهم الأشراف، ومنهم أصحاب السيادة، وأصحاب الشرف، فلم يلتفت إلى شرف ولم يلتفت إلى سيادة، وإنما التفت إلى الواجب فرفعه الله به، وأمره أن يعرض عن كل مشرك ظالم وما لديه من حظوة، قال الله _ عز وجل _ له
(( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ ) ) [الحجر: 94، 95] .
ولذلك قَسم الله - عز وجل - من يعارضون كلامه إلى صنفين:
1 -كفار كفروا بما حمله رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ من الحق والصدق من وحي الله، فكذبوا وأعرضوا.
(1) ـ البخاري (2440) و (6535) من حديث أبي سعيد الخدري _ رضي الله عنه _.