فرسول الله، وهو من هو بالمقام المحمود المرفوع، والذي جعل الله له النصرة والتمكين والتأييد بوحي الله، ومن جعل له روح القدس معينًا، وقاتل معه الملائكة إلى جنبه صفًا في وجه أعداء الله، ووعده الله بالنصرة والتمكين في هذه الأرض، ومع هذا أوذي رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ فحصل له من أنواع الابتلاء _ وهو إمام أهل العلم _ ما حصل، فَطُعِنَ في رسول الله، واتهمه الجهلاء بالجهالة وبالسحر وبالجنون وبالكهانة، وطُعِنَ في عرض رسول الله _ صلى الله عليه وسلم -.
فُطِعَن في عائشة _ رضي الله عنها _، وأرادوا بذلك الوصول إلى عرضه، بل تُعُدِّيَ على دمه، وَشُجَّ رأسه وأُدْمِيَت قدماه وَكُسِرَت رُبَاعِيَّتُهُ، وحصل له ما حصل.
بل حوصر في شعب مكة ثلاث سنين، لا يُجْبَى له طعام إلا خفية، وهذا هو رسول الله وَرَّثَ العلم وتبعاته، ومنها الابتلاء.
وقد أمر الله أهل العلم بأن يقوموا بأمر الله، وألا يسعوا إلى إرضاء الناس، على شتى مستوياتهم، ولذلك كتب معاوية إلى عائشة كما روى الإمام أحمد في"المسند"والترمذي [1] من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن معاوية كتب إلى عائشة يستنصحها، فكتبت عائشة قالت: سمعت رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ يقول: (( من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ) ).
هذا هو الميزان، فما من أحد قام بالحق وبنصرة الملة، والدعوة إلى الله وبيان الحق وبيان الشر إلا رفعه الله في وقته وبعد وقته، وحفظ قوله، وصان الناس عرضه، وذبوا عنه، وعملوا بقوله.
لذا كان الإمام أحمد _ رحمه الله _ لم يكتب من رأيه حرفًا، وكان أشد الناس ورعًا في ذلك، وكان أكثر الأئمة الأربعة روايات نقلها عنه أصحابه، حتى أنه يُنْقَلُ عنه في بعض المسائل نحوًا من عشر روايات أو وجوه، وذلك أنه قام بحق الإرث النبوي حق قيام، وكذلك أحب ألا يُذْكَر فَذُكِر، ولذلك أصبحت كلمة الإمام لصيقة بأحمد بخلاف غيره، فيقال: فلان وفلان والإمام أحمد، يحكيها الناس هكذا تجري على ألسنتهم من غير تكلف، جعلها الله وصفًا ملازمًا له؛ لأنه صدق الله فصدقه.
(1) الترمذي (2414) .