فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 27

والحالة الثانية: أن يعرف الحق من الباطل، لكنه يُهَوِّنُ من جانب الحق، أو يجعله أمرًا مرجوحًا ينبغي ألا يصار إليه، وإن أحسن الظن فيه يرى أن اجتماع الناس على قول مرجوح، خير من الافتراق على قول راجح.

وهذه قاعدة قد عمل بها أئمة الإسلام، ولكنهم لم يطلقوها في كل حال، فالنصوص الصريحة من الوحي والأدلة الظاهرة المحكمة لا تُضرب بالمصالح، فالافتراق على تقرير أصول الإسلام خير من الألفة على نقيضها، إن كان ثمة أُلْفَةٌ تحصل، لا تكون إلا بالوحي، وباتباعه واتباع الدليل والنظر فيه واتباع كلام رسول الله _ صلى الله عليه وسلم -.

فلا تضرب النصوص الظاهرة المحكمة بما يسمى بالمصالح، أو جمع كلمة الناس، وإذا كان الدليل ظاهرًا محكمًا ولا ثمة مفسدة هي أعظم منه، قد حذر الشارع من ارتكابها، ارتكابا ينقض أصلًا، فإنه حينئذ لا مصير إلا بقول الحق، فإنه لا مصلحة إلا هو.

فاستصحاب الأصل أو الاستحسان أو المصلحة ليست مُسَوِّغًا لتنكب الدليل الواضح، وإتباع الباطل أو الاستدلال بالقول أن اجتماع الناس على قول مرجوح، خير من افتراقهم على قول راجح، فيقال أن ذلك حينما يكون الخلاف سائغًا وحينما يكون الدليل ظاهرًا، وثمة قوم من السلف لهم دليل في هذه المسألة، قد يصار إلى قول مرجوح وترك القول الراجح.

أما أن يكون القول المخالف باطلًا فلا يحل لأحد أن يجمع كلمة الناس على قول باطل، فلابد من قول الحق وإن دق، فبهذه التسويغات تطمس الشريعة ويثلم الإسلام، وحينئذ فالعفاء على الأمة وعلى الإسلام.

ومع هذا كله يجب على الناس عامة تعظيم أهل العلم، وأن يلتمسوا لهم العذر، وما دام لهم سلف في أقوالهم، وليحذروا من الوقيعة في أعراضهم، فإن لحوم العلماء مسمومة، فهم ورثة الأنبياء ما دام أنهم على دليل وأثر من الكتاب والسنة، والطعن فيهم طعن فيما يحملونه في الغالب.

فإذا كان للرجل سلف من الصحابة والتابعين فهو على أثر.

ولذلك يقول ابن القيم:"إن رأيت الله ورسوله في صف، فعليك بصف الله ورسوله، وإن رأيت الناس كلهم في صف آخر".

وإن جمع العالم كلمة الناس على قول مرجوح يعتقد عدم رجحانه وغيره هو الراجح عنده فهو على صواب وهداية وحق، إن أخلص لله _ سبحانه وتعالى-، ما دام أن الجمع لا يكون إلا عليه، وإن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت