كان يعتقد أنه مرجوح، وقد حكي جواز ذلك عن غير واحد من الأئمة كالإمام الشافعي والإمام أحمد، وحكاه ابن رجب عن غير واحد من السلف، ولذلك ينبغي لأهل العلم أن يلتمسوا العذر لبعضهم ما دام أنهم على دليل وأثر من الكتاب والسنة، وعلى قول من السلف.
فائتلاف الأمة مقصد عظيم جليل، وترك السنن وترك بعض الواجبات مما لا يستلزم من ذلك إثما عظيم، أو نقضًا الأصل، أو تبديلا لمعالم الإسلام وأصوله فَيُظَنُّ بذلك الترك تبديلا أو تحليلا لما حرم الله أو تحريما لما أحل الله، وذلك لمقصد ائتلاف الناس فهذا مقصد شرعي.
ولهذا حث الله على اجتماع كلمة الناس وتآلفهم، وقد أشار إلى هذا المعنى غير واحد من العلماء كابن تيميه، ولقد كان ابن مسعود رضي الله عنه حين صلى خلف عثمان تمامًا، وقيل له في ذلك: أنه يخالف رأيك، فقال «الخلاف شر [1] » وكان يرى قصر الصلاة ركعتين، فاقتدى بمن خالفه لأن ذلك يلزم منه الخلاف والفتنة، وكذلك فإن من قَصُرَ به العلم والنظر فعليه أن يلتمس العذر لأهل العلم والمعرفة، فأهل العلم أصحاب نظر لكلام الله وكلام رسول الله، لا يلتمسون أذواق الناس ورضاهم وإنما يلتمسون رضا الله، فليس كل ما لا يروق للإنسان يقدح في قائله، فالناس رضاهم غاية لا تدرك
يقول الإمام الشافعي رحمه الله:"رضي الناس غاية لا تدرك، فعليك بما يصلح نفسك".
إرضاء الناس محال، ومن تبع ذلك وأراده فإنه سيؤول إلى وبال، وسيخرج صِفْرَ اليدين، ما لم يتبع قول الله ويقف عند حدود الله، فإن الله يرفعه بذلك.
ولذلك توعد الله من عَلِمَ الحق وَتَنَكَّبَهُ وقال بغيره، ويعلم أنه هو الظاهر لديه، وما غيره هو الباطل، وقد جعل الله _ جل وعلا _ الرجل يأتي يوم القيامة فتندلق أقتابه في النار، فيدور فيها كما يدور الحمار في الرحى، فيقول له أهل النار: يا فلان ألم تكن تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وكنت أنهاكم عن المنكر وآتيه.
قال الله معاتبًا أهل العلم: (( أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ) ) (البقرة: 44) .
(1) ـ ابو داود (1960) .