فوعظهم الله عز وجل أن يقوموا لله ويخلصوا وجوههم له، ويبتعدوا عن هذه الأجواء ، ويرجعوا إلى أنفسهم ، حيث يقف الإنسان مع نفسه أو مع صاحبه ، ويصحب ذلك التفكير العميق والتدبر لحال الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلابد أن يصلوا إلى الحق والهدى، وهو ما جاء في ختام الآية (( مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) ) [سبأ:46] .
ونخرج من هذه الآية بفائدة سيأتي تفصيلها في ثنايا البحث إن شاء الله ، وهي أن القاصد للحق أو الباحث في مسألة خلافية كبيرة أو صغيرة عليه أن يتجنب المناظرة في جو جماعي ، لأن المُناظر يكون أقرب إلى ترك رأيه إذا تبين أن الحق في خلافه إذا كان التفكير مع شخص واحد بخلاف حال الجماعة ، فقد يعز عليه الاعتراف بالخطأ أمام مؤيديه أو مخالفيه المجتمعين حوله،والله تعالى عليم بمسارب نفوس خلقه ، خبير بطبائعهم ، فلذلك وعظهم موعظة من يعلم حالهم ، ويعلم ما يصلحهم ويهديهم إلى صراطه المستقيم ،ومنهجه القويم (( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ) (الملك:14) .
الشرط الثالث: (( ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ) ):
وهذا الشرط هو الوسيلة الأساسية للوصول إلى الحق بعد الالتزام بالشرطين السابقين ؛ فالتفكير ، والعلم ، وإعمال الرأي هو المتمم لهذا المنهج الإلهي للوصول إلى الحق وتَبَيُّن الهدى من الضلال .
وهذا الشرط يقودنا إلى قضية هامة؛ألا وهي قضية العلم الشرعي ، ومعرفة دين الله عز وجل ، وإقامة الدليل والبرهان على ما يعتقد أنه الحق، وإذا كان الكفار الذين خوطبوا مباشرة بهذه الآية، ووجهت إليهم هذه الموعظة العظيمة ما كان عندهم علم شرعي ، وليس عندهم الدليل فيما يعتقدونه ، فلذلك كان المطلوب منهم التفكير بحال الرسول لله ، وإقامة الدليل على ما يتهمونه به .