فهرس الكتاب
ومن المعلوم: أنَّ التحيُّلَ على هذه المعاملة تَحيُّلٌ على محارم الله , ومكرٌ , وخداعٌ لمن يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور , ومن المعلوم: أنَّ التحيُّلَ على محارم الله لا يجعلها حلالًا بمجرَّد صورةٍ ظاهرُها الحلال ومقصودُها الحرام .
ومن المعلوم: أنَّ التحيُّلَ على محارم الله لا يزيدُها إلا قبحًا , لأنَّ المُتحيِّلَ عليها يقعُ في محذورين:
المحذور الأول: الخداع , والمكر , والتلاعب بأحكام الله عزَّ وجل .
المحذور الثاني: مفسدة ذلك المحرَّم الذي تحيَّل إلى الوصول إليه , لأنها تحققت بذلك الحيلة .
ومن المعلوم: أنَّ التحيُّلَ على محارم الله تعالى وقوعٌ فيما ارتكبته اليهود , فيكونُ المُتحيِّلُ مُشابهًا لهم في ذلك , ولهذا جاء في الحديث:"لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود , فتستحِلُّوا محارمَ الله بأدنى الحِيل" (1) .
ومن المعلوم للمتأمِّل المتجرِّد عن الهوى: أنَّ من قال لشخص يُريدُ سيارة: اذهب إلى المعرض وتخيَّر السيارة التي تُريد , وأنا أشتريها من المعرض ثمَّ أبيعها عليك مؤجلة بأقساط , أو قال لشخص يريد أرضًا: اذهب إلى المخطط وتخيَّر الأرض التي تريد وأنا أشتريها من المخطط ثمَّ أبيعها عليك مؤجلة بأقساط ...
أقول: من المعلوم للمتأمِّل المنصف المتجرِّد عن هوى النفس: أنَّ التعامل على هذا الوجه من التحيُّلِ على الرِّبا , وذلك لأنَّ التاجر الذي اشترى السلعة لم يقصد شراءها ولم يكن ذلك يدور في فكره , ولم يكن اشتراها من أجل الزيادة التي يحصل عليها منه في مقابلة التأجيل , ولهذا كلَّما امتدَّ الأجل كثرت الزيادة , فهو في الحقيقة كقول القائل: أُقرضك ثمن هذه الأشياء بزيادة ربوية مُقابل التأجيل , ولكنه أدخل بينهما سلعة , كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سُئل عن رجل باع من رجل حريرة بمئة ثمَّ اشتراها بخمسين , فقال: دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة .
قال ابن القيم رحمه الله 5/103 من تهذيب السنن: وهذا الرِّبا تحريمه تابعٌ لمعناه وحقيقته , فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع . اهـ .
(1) قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ( روى ابن بطة وغيره بإسناد حسن ) وساق الحديث , انظر: حاشية ابن القيم ج9/244 , وقال ابن عبدالهادي رحمه الله تعالى: بأنَّ الحديث ثابت ( تنقيح تحقيق أحاديث التعليق ج3/426 ) .