الصفحة 44 من 79

و فيما يخص الكذابين من الزهاد و العَبّاد و الصوفية ، فإنه من الغريب أن نجد من هؤلاء كذابين اشتهروا بالكذب و حذّر منهم أهل الحديث ،و ذكروهم في مصنفاتهم مع المجروحين . لكن هذه الغرابة تزول إذا تذكرنا ثلاثة أمور هامة ، أولها أن الانتساب إلى الدين و التظاهر بالصلاح شيء ،و الالتزام به ظاهرا و باطنا شيء آخر . و ثانيهما علينا ألا ننس أن الانتساب إلى الدين ليس خاصا بطائفة الزهاد و الصوفية ، فمعظم الذين ذكرناهم سابقا كانوا ينتسبون للدين و يكذبون باسمه .و ثالثها هو أن التعصب للرأي و للطائفة يعمي الإنسان و يصمه ،و يدفعه إلى الكذب انتصارا لنحلته . و يقول الحافظ يحيى بن القطان عن الصالحين الكذابين ،: (( ما رأيت الصالحين في شيء ، أكذب منهم في الحديث ، يكتبون عن كل أحد ) )،و قال آخر: (( ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينتسب إلى الخير ) ) (1) .

و منهم هؤلاء الزهاد و العَباد: أبو عبد الرحمن الهيثم بن عدي الكوفي (ت207ه) ، قال عنه بعض أهل الحديث: أخباري كذاب ليس بثقة . و من غريب أمره أنه كان متفرغا للعبادة و الكذب معا ، فقد روت إحدى جواريه أن مولاها: كان يصلي عامة ليله ، فإذا أصبح جلس يكذب (2) ! ! .

و الثاني هو محمد بن عكاشة الكرماني (ت ب: 225ه) ، كان كذابا بكاء ، يضع الحديث و يحدث بالأباطيل ، و روي أنه كان إذا حدّث بكي ، و يَسمع خفقان قلبه ، و قيل أنه صَعق فمات عندما سمع آية الجمعة (3) . و لا ندري أكان يتباكى تظاهرا بالبكاء ، ، أم كان يبكي على نفسه الكذابة التي كانت تروي أكاذيبه المنسوب لرسول الله -صلى الله عليه و سلم- ؟ ! .

(1) الذهبي: ميزان الاعتدال ، ج 6ص: 359 . .و العقيلي: المصدر السابق ،ج1 ص: 14 .

(2) الذهبي: ميزان الاعتدال ، ج7 ص: 11 .و ابن حجر: اللسان ، ج6 ص: 209، و ما بعدها .

(3) ابن حجر: المصدر السابق ،، ج5 ص: 288 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت