فهرس الكتاب
و آخرها - أي الأهداف - هو طلب اللذة بالكذب و الاستمتاع به ، فقد روي أنه قيل لأحد الكذابين: ما الذي يحملك على الكذب ؟ قال: لو تغرغرت به مرة ما نسيت حلاوته .و قال آخر: إذا رأيتَ من هو أكذب مني ، ندمت حسدا له (1) .. أي أنه ندم على قلة كذبه هو تجاه الآخر الذي تفوّق عليه في الكذب ، فحسده على ذلك .و قيل لكذاب آخر: هل صدقت مرة في حياتك ؟ قال: اكره أن أقول لا ، فأكون قد صدقتً (2) . و واضح أن هذا الأمر مبالغ فيه جدا ، لكنه على كل حال يعطي لنا صورة عن نفسيات هؤلاء الكذابين المرضى المتهافتين على الكذب المتقوتين به .
و واضح أيضا أن معظم الكذابين - إن لم يكونوا كلهم - كانوا يتلذذون بالأكاذيب التي يفترونها ، فلو نفرت نفوسهم من الكذب و قاومنه ، ما تخصصوا فيه و تفرّغوا له و ما وضعوا عشرات و مئات الآلاف من الأكاذيب . و قد كان الكذاب أبو البختري وهب بن وهب ، يمضي عامة ليله في وضع الأحاديث .و كان الكذاب الهيثم بن عدي الكوفي يمضي عامة ليله في الصلاة ، فإذا أصبح جلس للكذب (3) . فهذان الكذابان لو لم يجدا لذة و متعة فيما يفتريانه ما صبرا على ذلك . لكن يجب التفريق بين من يكذب من أجل الكذب ليتلذذ بالكذب ، و بين من يكذب و يتمتع بالكذب ، ليس من أجل التمتع ، و إنما خدمة لأهدافه المذهبية و الدنيوية ، لكن قد يوجد من بينهم من طلب التمتع و المكاسب الدنيوية معا .
و بذلك يتبين لنا جليا أن أسباب تعاطي الكذابين للكذب و إقبالهم عليه و تفرّغهم له ، تعود في أساسها إلى عوامل مرضية عميقة في نفوسهم ، زادتها العوامل السياسية و المذهبية و المادية عمقا و حرارة و نشاطا ، لتحقيق مكاسب مذهبية و ملذات مادية و معنوية ، باستخدام الكذب .
ثانيا: خصائص مدرسة الكذابين:
(1) العقيلي: الضعفاء ، ج 1ص: 10 .
(2) نفسه ، ج1ص: 10 .
(3) ابن حجر: اللسان ، ج 6 ص: 209 ، 210 ، 211، 232 .