الصفحة 78 من 79

و خامسا يجب علينا أن نفرّق بين المؤلف الثقة ،و بين رجاله الكذابين الذين قد يكون اعتمد على أخبارهم ، كما هو حال الطبري ، فهو ثقة لكن كثيرا من رجاله كذابيون و ضعفاء ، و في هذه الحالات لا نأخذ عنه رواياته عن هؤلاء ، لأن أسانيدها غير صحيحة ؛ و الطبري في هذه الحالة هو مجرد ناقل عنهم فقط . و أما إذا كان المؤلف كذابا فلا تقبل رواياته حتى و إن كان رجاله ثقات ، لأنه - أي المؤلف - في هذه الحالة هو رجل من رجال الإسناد . لكننا نقبل روايات هؤلاء الثقات إن وصلتنا عن طريق مؤلفين آخرين ثقات .

و سادسا أن الأصل في تعاملنا مع روايات الكذابين هو عدم قبولها ، لكننا قد نقبل بعضها استثناء ، عند توفر القرائن و المرجحات و المسوغات .و الأصل في تعاملنا مع روايات الثقات هو قبولها ، لكننا قد نرفض بعضها استثناء ، إذا تخللتها العلل و الشذوذات ،و اجتمعت القرائن و المرجحات على استبعادها .

و ختاما لهذا الفصل ، يتبين لنا منه أن إقبال الكذابين على الكذب و تفرّغهم له ، أسبابه العميقة هي الانحرافات الفكرية ،و الخلافات السياسية ،و الأمراض النفسية التي تفاعلت مع أهدافهم المذهبية و شهواتهم و مصالحهم الدنيوية .

كما أنهم -أي الكذابون - بسب كثرة عددهم ،و تخصصهم في الكذب و تعاونهم عليه ، كوّنوا مدرسة عَرفت بهم ، و تميزت بخصائص ميزتها عن غيرها من مدارس رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه ؛ فكانت وبالا على تاريخنا ، تشويها و تشكيكا ، تحريفا و تضليلا . مما يوجب علينا التصدي لها و مقاومتها و كشفها .

الخاتمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت