الصفحة 77 من 79

علينا أن نتعامل مع مدرسة الكذابين و نقاومها ، وفق جملة من المواقف النظرية و الإجراءات العملية الضرورية الآتية: أولا علينا أن ننظر للتاريخ الإسلامي ، نظرة اعتدال و موضوعية ، فهو و إن كان يضم في مصنفاته كثيرا من روايات الكذابين ، كما سبق و أن بيناه ، فإنه من جهة أخرى يضم أيضا روايات كثيرة لطائفة من الرواة الثقات ، كالمؤرخ خليفة خياط ، و محمد بن سعد ،و الزبير بن بكار ،و موسى بن عقبة ، و وهب بن منبه ، و غيره كثير (1) .

و ثانيا يجب أن لا يغيب علينا أن السنة النبوية التي تعرّضت لهجمة شرسة من رجال مدرسة الكذابين ، قد تمّ تمييز صحيحها من سقيمها ، و ضعيفها من موضوعها ، بفضل جهود علمائها الأفذاذ في النقد و التحقيق و التمحيص ، و الذين ما تزال أعمالهم مستمرة إلي يومنا هذا . لذا فلا خوف على الحديث النبوي من روايات مدرسة الكذابين .

و ثالثا أن ما قلناه على السنة النبوية ، لا يصدق على التاريخ الإسلامي ، فمصادره غير محققة ،و مليئة بروايات الكذابين . لذا يجب علينا أن ننقدها و نحققها وفق منهج علمي شامل كامل ، يجمع بين نقد الإسناد و المتن على حد سواء قدر المَستطاع ، و في الحالات التي تنعدم فيها الأسانيد لا بد من توسيع دائرة نقد المتون ، مع عدم نسيان أن هذه المتون تفتقد إلى الأسانيد ، التي هي شرط أساسي من شروط صحة الخبر .

و رابعا لا بد من نشر الوعي التاريخي بين أهل العلم ،و تعريفهم بمدرسة الكذابين و تحذيرهم من رواياتها و رجالها ، و اطلاعهم على آثارها السيئة على فكرنا و تاريخنا و وحدتنا ، مع التأكيد على ضرورة الاكتفاء بالأخبار الصحيحة و إن قلّت، و نبذ روايات الكذابين و إن كثَرت . ففي القليل الصحيح كفاية و غنى عن الكثير الباطل .

(1) انظر مثلا: الذهبي: ميزان الاعتدال ، ج5 ص: 507 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت