الصفحة 172 من 595

كتب النحو التى تُدْرَس في المدارس؟ لكن متى كانت هذه الكتب تستوعب كل إمكانات اللغة العربية في الجاهلية قبل أن تُفَنَّن القواعد على النحو الذى نعرفه في كتب النحو والصرف الخاصة بتلاميذ المدارس؟ إن القرآن نفسه رغم كونه المثال الأعلى في الفصاحة العربية لا يستوعب هذه الإمكانات، فكيف يفكر أحد في محاكمته إلى كتب الطلاب الصغار الذين أُريد الابتعاد بهم عن كل ما يخرج عن القوالب البسيطة المباشرة ولا يعرفون من هذه الإمكانات إلا أقل القليل؟ إن هذا لأشبه بمن يريد نَطْل البحر بكستبان إبرة! على أن ليس معنى كلامى هذا أننى أغضّ الطرف على التشكيك في مصدر القرآن الإلهى، بل كل ما أريد قوله أن الحجة التى يستند إليها من يقصد التشكيك في هذا المصدر هى حجة داحضة لا تثبت على محكّ النقد على الإطلاق، ومن ثم فالاستناد إليها للتشكيك في إلاهية المصدر القرآنى استناد إلى حائط مائل كما نقول في مصر. أما إيمان أمثال هؤلاء أو كفرهم فلا يعنينى، فلست موكلا بالقلوب أهديها. إنما أنا واحد من أهل العلم مقتنع بأن هذا القرآن هو من عند الله، ولهذا أرى أنه لا بد من وقف هذه الهجمات الجَراديّة الحمقاء، بالمنطق طبعا والحجة والتدقيق في الكلام والاستشهاد بالنصوص على الوجه المستقيم...إلخ. ولقد غَبَرَ علىّ زمان كنت أسارع فيه إلى تخطئة أىّ أسلوب لا يجرى على القواعد كما درسناها في المدارس، والاعتراض على أية كلمة لا أجدها في المعجم الصغير الذى لم أكن أملك غيره في شبابى الأول. لكنى كلما كَبِرْتُ واسْتَحْصَدَتْ معارفى واتسع أفقى اللغوى تبين لى أن الأمور ليست كما كنت أظن، وأن اللغة بحرٌ هدّارٌ لا يستطيع السباحة فيه كل من هب ودب، وإلا فعلينا أن نخطّئ معظم الشعراء العرب الأقدمين، إن لم يكن كلهم، لأنهم لا يجرون دائما على قواعد النحو والصرف كما ندرسها في المدارس، وهو ما لا يقول به أى عاقل، بل الحاقدون الموتورون وحدهم! وفى الكتب التى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت