الصفحة 173 من 595

تُعْنَى بالصحة اللغوية كثير من الأقاويل التى شاعت وذاعت على غير أساس، ومع هذا يرددها الخلف عن السلف كأنها"قرآن منزل" (أكاد أضحك الآن على هذا التشبيه بعد أن ظهر لنا أمثال بلاشير وأركون وجماعات المبشرين الذين يتطاولون على القرآن ويخطّئونه) . لنأخذ مثلا تأكيدهم أن تكرار كلمةِ"بين"مع اسمين ظاهرين خطأ، فلا يصح أن نقول:"بين عمر وبين أحمد"بل لا بد أن نقول:"بين عمر وأحمد"، بخلاف ما لو كان أحد طرفَىِ البينيّة أو كلاهما ضميرا مثل:"بين محمد وبينى"أو"بينى وبينه"، مع أن العبد لله قد استطاع أن يضع يده قبل عدة أعوام على نحو ثلاثين شاهدا من عصور الاحتجاج اللغوى لتكرار"بين"مع اسمين ظاهرين أوردتُها في كتابى"من ذخائر المكتبة العربية"فى آخر الفصل الخاص بكتاب"معجم البلدان"لياقوت الحموى، غير ماعثرت عليه بعد ذلك. كما ثارت بينى وبين زميل لى أحبه وأقدر علمه مناقشةٌ منذ وقت ليس بالبعيد حول مدى الصحة في مجىء فعلِ"كلما"أو جوابِها مضارعا، وأردت أن أتثبت بنفسى من صواب رأى من يرفضون هذا ويلحّون على أنه لا بد أن يكون فعل هذه الأداة وجوابها كلاهما ماضيا، فإذا بى أجد نحو اثنى عشر شاهدا من الشعر القديم يستعمل فيها أصحابها فعلَ"كلما"وجوابَها مضارعا، وفى الحال تراجع الزميل الكريم عن موقفه الذى كنت في البداية أكثر ميلا إليه تبعا لما كننت أسمع من تخطئة من يخالفونه. ومثل ذلك ما كنت قد قرأته في مطلع شبابى عند بنت الشاطئ من أنه لا يصح أن نقول:"قد لا يأتى محمد"، بإدخال"لا"على"قد"، بل لا بد من استعمال"ربما"بدلا من"قد"فى حالة النفى، وإبقاء"قد"للإثبات فقط. ثم تبين لى فيما بعد أن من العرب القدماء من كان يجمع بين"لا"و"قد". إن السبب في هذه المسارعة إلى التخطئة هو الظن بأننا قد أحطنا باللغة خُبْرا، على حين أن معرفتنا بها ليست بهذه الإحاطة التى يتصورها بعضنا، وقد كنت أنا من هؤلاء البعض يوما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت