الصفحة 150 من 841

""""""صفحة رقم 148""""""

فقلت: ولم ؟ ولأي شيء ؟ وإنما أنا أعمل الحساب ، وأجري مجرى ناسخ ، وآخذ أجري من بيت المال ، أو يجيئني رجل مظلوم ، قد لزمته زيادة باطلة في خراجه ، فأسقطها عنه ، وأصلحها له في الحساب ، فيهدي إلي بطيب قلبه ، أو أرتفق من مال السلطان بشيء ، ولي في فيء المسلمين قسط يكون هذا بإزائه . فقال: يا أبا القاسم ، إن الله لا يخادع ، أخبرني ، ألسن أنت تختار المساح ، وتنفذهم إلى المساحة ، وتوصيهم بالتقصي ، فيخرجون ، فيزيدون بالقلم واحدًا أو اثنين في العشرة ، ويجونك بالتزاوير ، فتسقطها أنت ، وتعمل الجرائد ، وتسلمها إلى المستخرج ، وتقول له: أريد أن يصح المال في كذا وكذا يومًا عند الجهبذ ، وإلا دققت يديك على رجليك ؟ قلت: نعم . قال: فيخرج المستخرج فيبث الفرسان ، والرجالة ، والرسل ، والمستحثين ، ويضرب ، ويصفع ، ويقيد ، وأنت تأمره وتنهاه ، وإذا قلت له: أطلق رجلًا ، أو أخره بما عليه قبل أمرك ، وإذا لم تأذن له طالبه حتى يؤدي ؟ قلت: نعم . قال: فيحصل المال عند الجهبذ ، فتخرج إليه الصكاك من يدوانك وبعلاماتك ؟ فقلت: نعم . قال: فأي شيء بقي من العمل لم تتول وزره ، وتضمن غرمه ، وتتحمل إثمه ؟ تب إلى الله ، وإلا فأنت هالك ، ودع التصرف ، وأصلح أمر آخرتك . قال: وأخذ يغظني ، ويخطب علي ، حتى بكيت . ثم قال لي: لست بأعظم نعمة ولا أكبر منزلة من جعفر بن حرب ، فإنه كان يتقلد كبار أعمال السلطان ، وكانت نعمته تقارب نعمة الوزراء ، وكان يعتقد الحق ومنزلته في العلم المنزلة المشهورة ، وصنف غير كتاب من كتبه الباقية إلى الآن في أيدي الناس ، وهو يتصرف مع السلطان . فاجتاز يومًا راكبًا في موكب له عظيم ، ونعمته على غاية الوفور ، ومنزلته بحالها من الجلالة ، فسمع رجلًا يقرأ ' بسم الله الرحمن الرحيم ' ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما أنزل من الحق ' صدق الله العظيم ' فقال: اللهم بلى ، وكررها دفعات ، وبكى ، ثم نزل عن دابته ، ونزع ثيابه ، ودخل إلى دجلة ، فاستتر بالماء إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت