فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 89""""""
قد ينال الإنسان باللين ما لا ينال بالشدة
: حدثني أبو العباس هبة الله بن محمد بن المنجم ، عن أسلافه: إن المأمون نكب عاملًا له ، يقال: عمرو بن نهيوي ، صهر موسى بن أبي الفرج بن الضحاك ، من أهل السواد ، موسرًا ، فأمر محمد ابن يزداد أن يتسلمه إليه ، ويعذبه ، ويعاقبه ، حتى يأخذ خطه بعشرة آلاف ألف درهم ، ويستخرجها منه . فسلم عمرو إلى محمد ، فأكرمه ، وألطفه ، وأمر بخدمته وترفيهه ، وأفرده في حجرة سرية من داره ، وأخدمه فيها من الفرش والغلمان بما يليق به ، ولم يكلمه ثلاثة أيام ، والمأمون يسأل عن الخبر ، فيبلغه ترفيهه له ، فيغتاظ ، ويسأله ، فيقول: هو مطالب . فلما كان في اليوم الرابع ، استدعى عمرو محمدًا ، فدخل إليه . قال محمد بن يزداد: فقال لي: يا هذا ، قد عرفت ما تقدم به إليك الخليفة في أمري ، ووالله ما رأيت هذا المال ، ولا نصفه ، ولا ثلثه قط ، ولا يحتوي عليه ملكي ، ولعل الخليفة يريد دمي ، وقد جعل هذا إليه طريقًا ، وقد تفضلت علي لا يسعني معه أن أدخر جهدًا في تجميلك عند صاحبك ، وقد كتبت تذكرة بجميع ما يحتويه ملكي ، ظاهرًا وباطنًا ، وهي هذه ، وسلمها إلي ، وإذا هي تشتمل على ثلاثة آلاف ألف درهم ، وعلي ، وعلي ، وحلف بالطلاق والعتاق ، والإيمان المغلظة ، ما تركت لنفسي بعد ذلك ، إلا ما علي من كسوة تستر عورتي ، وهذا وسعي ، وجهدي ، فإن رأيت أن تأخذه ، وتسأل الخليفة الرضا به مني ، فإن فعل فقد خلصني الله بك ، ونجاني من القتل على يدك ، وإن أبى ، فإنه يسلمني إلى عدوي الفضل بن مروان ، وهو القتل ، ووالله ، لا أعطيت على هذا الوجه ، درهمًا واحدًا ، ولا كنت ممن يجيء على الهوان ، دون الإكرام ، وسأتلف ، ولا يصل الخليفة إلى حبة من مالي ، ولكن المنة لك علي حاصلة ، فإن عشت شكرتها ، وإن مت فالله مجازيك عني . قال: فأخذت التذكرة ، ورحت إلى المأمون . فقال: ما عملت في أمر عمرو بن نهيوي ؟ فقلت: إنه قد بذل ألفي ألف درهم ، وليس عنده أكثر من ذلك .