فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 94""""""
لم يحكمه الصناع ، ومشى عليه بحضرة معز الدولة - لأنه ركب إليه - فانقلعت منه لبنة . فحمي طبعه ، وكان حديدًا جدًا ، سليم الباطن مع ذلك ، وإذا أخرج حدته ، وانقضت سورة غضبه ، يندم على فعله ، ولكن من يقوم على تلك الحدة . فأحضر المهلبي ، وواقفه على ما رآه ، فأخذ يحتج عليه . فحمي ، وأمر به ، فبطح ، وضرب مقارع كثيرة . ثم قال: اختفوه ، فجعل في عنقه حبل ، وأمسكه ركابيون فوق السور ، ليشيلوه ، فيخنق . وبلغ خبره القواد ، والأتراك ، وخواصه ، فبادروا إلى تقبيل الأرض بين يديه ، ومسألته الصفح عنه ، فأنزله ، وأطلقه . فمضى إلى داره كالميت ، وأظهر قلة حفل بذلك ، لئلا يشمت أعداؤه ، ويطمعوا في صرفه ، ويتقولون عليه بانكسار إن بان منه ، ولئلا يبلغ صاحبه أنه مستوحش من ذلك ، فيستوحش منه . وكانت عادته أن يشرب في تلك الليلة النبيذ ، ويدعو الغناء ، فجمع الندماء ، ليري قلة الإكتراث بما جرى عليه . وعاد إلى داره وقد قرب المساء ، فدعا بما يأكله ، فأكل ، وندماؤه معه ، وليس فيه فضل لشدة الألم ، وهو يتجلد ، ويتحدث . ثم دعا بنبيذ ، فقالوا له: أيها الوزير ، لو استرحت ، وطرحت نفسك ، كان أولى من النبيذ ، فليس هذا وقته ، وذنبوا له في هذا . فأخذ هو يعزيهم عما جرى عليه ، ويسلبهم ، وتمثل في كلامه بهذا البيت: فإن أمير المؤمنين وفعله . . . لكالدهر لا عار بما صنع الدهر . ثم شرب أقداحًا ، وقام . أخبرني ، من حدثه به ، من ندماء أبي محمد ، عن مشاهدة .