فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 24

إن الاجتماع على ما أجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرورة ملحة في وقتنا الحاضر، الذي نشأت فيه الفرق الباطنية الخبيثة التي قامت على أساس نسف هذا الأصل المكين والتي يقوم دينها على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخلف إلا ركامًا، وظلامًا، ولم يترك إلا رجالًا ملأ النفاق قلوبهم، والكفر أفئدتهم وإنه لم يخلف صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة أو خمسة فقط كانوا على دينه وملته وطريقته، وأما الآلاف المؤلفة الباقية فكانوا كفارًا منافقين، ولا عبرة لاجتماعهم، ولا وزن لإجماعهم.

وهذا نسف للدين من أساسه، واتهام للرسول صلى الله عليه وسلم بالفشل الذريع، بل بالفضيحة والجهل أنه وثق فيمن ليسوا أهلًا للثقة، ومدح من لم يكونوا أهلًا للمدح، وعاش في وسط جماعة لم يحسن تربيتهم وتهذيبهم، وتركهم لصوصًا متغلبة، ووحوشًا كاسرة وحاشا الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك وحاشا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فهم والجميع يشهد كانوا أبر الناس قلوبًا، وأعمقهم علمًا وأقلهم تكلفًا، لقد كانوا هم الأبرار الأتقياء الذين شهد الله لهم بالإيمان والفضل والجهاد والخير وشهد لهم رسول الله أيضًا بذلك وكفى بالله شهيدًا سبحانه وتعالى.

والخلاصة: أن اعتماد الإجماع، وما اتفق عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ائتلفت عليه قلوب المؤمنين جيلًا بعد جيل أصل مكين من أصول الدين يجب تعلمه والإيمان به، والسير بمقتضاه، وهذا سيوفر على المسلمين اليوم جهودًا عظيمة، تذهب هدرًا وسيقضي على الخلاف في أمور كثيرة، وسيضع الأمور في نصابها الصحيح، وسيرشد إلى التطبيق السليم لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وذلك أن الكتاب والسنة وهما مصدرا التشريع وأصلا الدين ظهر تطبيقهما على أفضل نحو وفي أكمل مستوى في عصر الصحابة، والخلافة الراشدة .. وبالتالي أصبح هذا هو النموذج الأمثل الذي يجب أن يحتذى في كل عصور الإسلام، فإذا جاء من يقضي على هذا الأصل ويقول بل كان هذا العصر هو أسوأ عصور الإسلام، وأظلم عهود الدين، وأن القرآن والسنة لم يطبقا فيه على الوجه الصحيح كان هذا يعني هدم الدين كله، وإعطاء تفسير آخر للقرآن والحديث، وفي النهاية عزل القرآن والحديث عن حياة المسلمين وهذا ما سعت إليه وسارت فيه الفرق الباطنية الخبيثة التي تسترت بالإسلام ودخلت فيه ظاهر لتهدم أصوله من الداخل وقد فعلت، وللأسف انطلت فعلتها على كثير من الناس.

والحق أنه ليس هؤلاء وحدهم هم الذين خالفوا في هذا الأصل بل إن كثيرًا من المتنطعين الجاهلين والمتشددين المارقين خرجوا عن إجماع الأمة وشقوا عصاها قديمًا وحديثًا وفي كل العصور ولا غرو في ذلك، فأولهم هو الذي أراد أن يقيم الرسول صلى الله عليه وسلم في زعمه على الحق ويرشده في زعمه إلى ما تعمد الخطأ فيه فقال (اعدل يا محمد فوالله هذه قسمة ما أريد بها وجه الله) (أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري) !! وكان هذا الأسلوب المارق أسلوب طوائف كثيرة من بعده، أنكروا على خلفاء الإسلام وخيرة أتقياء الأمة، وأرادوا إصلاح الهفوة الصغيرة، والخطأ اليسير فارتكبوا العظائم من شق عصا المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت