فهرس الكتاب
وعندما علمت برد الوزارة بالرفض شعرت بحالة من اليأس ورغبة في التحدي فكتبت استقالتي وقدمتها للمسئولين ولكنهم لم يقبلوها وأعادوا الكرة إلى وزارة المالية برسالة مؤرخة في 2/ 3/1937 يؤكدون فيها ويصرون على نفس المطالب السابقة ويشيرون إلى استقالتي.
عند ذلك دبت الرحمة في قلب وزارة المالية في بغداد فوافقت"بصفة خاصة"على الترفيع اعتبارًا من 1/ 4/1937 وأصبح المرتب واحد وعشرون دينارًا.
وتمر الأيام وأسافر إلى بغداد وأزور وزارة المالية واسمع منهم القصة الآتية: عندما كرر الوزير رفض الترفيع متجاهلًا طلبات مدير الميناء الملحة، دخل عليه أحد كبار الموظفين ولم يكن يعرفني أو حتى رآني من قبل وقال للوزير أنت ترفض ترفيع هذا الشاب المؤهل إلى الراتب (21) دينار، فإذا أصر على الاستقالة فان دائرة الميناء ستأتي برجل إنجليزي وتدفع له مائة دينار! وكان لهذه الكلمات المنطقية أثرها وحصلت الموافقة.
وعلى ذكر المغامرة أود أن أذكر -وللشباب خاصة- بأن الإقدام على أي مغامرة يحتاج إلى دراسة وحساب للأرباح والخسائر كما أشرت في مناسبة سابقة، وان تكون تلك المغامرة مرتبطة بهدف نافع يسعى المغامر إلى تحقيقه. وفي الحالة التي شرحتها أعلاه كنت أشعر أن المدير العام لدائرة الميناء السير جون وارد ( SIR JOHN WARD) أو الكولونيل وارد، كان متعاطفًا معي منذ اللقاء الأول معه الذي أشرت إليه سابقا. وهذا ما جعلني أشعر بشيء من الطمأنينة، وقد كان موقفه هذا ظاهرًا برسائله إلى بغداد منذ طلبه الأول من أجل نقل خدماتي من مطار بغداد إلى البصرة (كذلك فمن الأمور التي دعتني إلى تلك المجازفة أني وضعت أمامي أسوأ الاحتمالات وهي قبول الاستقالة التي لو قبلت فإني لن أموت جوعا. علما بأن حاجاتي كأعزب كانت محدودة وكان باستطاعتي أن اجعلها في أضيق نطاق تمشيا مع البقية الباقية مما ترك الوالد رحمه الله ومتمثلا بقول الشاعر: كل النداء إذا ناديت يخذلني إلا ندائي إذا ناديت يا مالي!) .
وصول الطيار العالمي قاهر المحيط
شارل ليندبرغ إلى البصرة
في يوم من أيام ربيع تلك السنة، لا أذكر تاريخه بالضبط، من عام 1937 وصلتنا برقية مستعجلة من جزيرة قبرص تفيد بأن الطيار العالمي ذو الشهرة الكبيرة شارل ليندبرغ CHARLES A.LINDBERGH قد غادر قبرص متوجهًا إلى البصرة بدون توقف، وجاء في البرقية ذكر وقت مغادرته وموعد وصوله، وأظن أن الوقت كان حوالي خمس ساعات ونصف وجهزنا كل إمكاناتنا المتواضعة لاستقباله بعد ظهر ذلك اليوم. وفي الوقت التقريبي لاحت طائرته من بعد وبدأت دورتها المعتادة حول المطار قبل النزول. ولم يكن بيننا وبين الطائرة أي اتصال حيث لم تكن مجهزة باللاسلكي، كما لم يكن التلفون