فهرس الكتاب
اللاسلكي معروفًا أو شائعًا في تلك الأيام لا سيما على متن الطائرات سواء التجارية منها أو الخاصة.
وحطت الطائرة بالاتجاه الصحيح المعاكس للريح ثم استدارت نحو البناء المؤقت المتواضع، وعندما اقتربت منه توقف محركها وترجل منها شاب طويل القامة نحيف الجسم يحمل تحت إبطه سجل رحلة الطائرة LOG BOOK فتقدمت نحوه وسلمت عليه وعرفته بنفسي ودخلنا المبنى سويا. أما زوجته التي كانت بصحبته فقد بقيت في مقعدها الخلفي ولم تنزل واستلمت منه دفتر الرحلة وختمته حسب الأصول بختم المطار، ثم وقعت عليه وسلمته إليه. ومد يده نحو جيبه وقال لي يا سيدي قل لي كم يجب علي ادفع من رسوم للمطار وكان ردي الفوري، لا شيء. فاندهش من هذا الرد وقال لي ولكن يا سيدي -وكان يردد كلمة SIR- أنا دفعت في أثينا وفي قبرص قلت ولكنا هنا في البصرة لا نأخذ الرسوم LANDING FEES من الكولونيل ليندبرغ فزادت دهشته واحمر وجهه خجلا وهو المشهور بتواضعه ورقة طباعه. فما كان منه إلا أن يكرر كلمات الشكر ثم رافقته إلى الطائرة وسلمت على زوجته التي كانت تعتمر فوق رأسها خوذة. الجلد المعتادة في تلك الأيام، وفوقها النظارات الكبيرة التي تحمي العين من سرعة الرياح القوية (إن الطيار ليندبرغ هو أول من عبر المحيط الأطلسي عام 1927 وفتح آفاقا جديدة في عالم الطيران كما ذكرت في فصل سابق) . وبعد أن تأكد أن كل شيء على ما يرام دار دورة حول طائرته الممشوقة وكأنه يريد أن يطمأن مرة أخرى ثم صعد في المقعد الأمامي وأدار المحرك واشر بيده مودعا وكانت وجهته مدينة كراجي.
وطائرة ليندبرغ كما هو واضح في الصورة هي بريطانية الصنع من طراز كوميت ذات محرك واحد بمقعدين وعلى نفس نمط طائرة السباق التي فازت بسباق 1934 والتي سبقت الإشارة إليه بقيادة كل من سكوت وبلاك.
وفي اليوم الثاني اتصلت بالمسئولين في دائرة الميناء وأخبرتهم بوصول الطيار العالمي، كما أخبرتهم بما قمت به من خدمات مع إعفائه من رسوم الهبوط التي اعتدنا أخذها، فسرهم هذا الخبر كثيرا وشكروني على تلك البادرة.
وكنت في الواقع مصمما لو حدث أي اعتراض على عدم أخذ رسم الهبوط أن ادفع المبلغ من جيبي الخاص، والذي كان في حدود ثلاثة دنانير. وهو مبلغ يساوي مرتب موظف صغير في تلك الأيام. كان ليندبرغ في ذلك الوقت في الخامسة والثلاثين من عمره وقد مضى على محاولته الجريئة في عبور المحيط حوالي عشر سنوات.
وبعد مضي أيام قليلة وصلتنا برقيه منه تفيد بموعد وصوله البصرة في طريق العودة. وكان عندي متسع من الوقت لكي اخبر كبار المسئولين في دائرة الميناء. وقد حضروا جميعهم لاستقباله وعلى رأسهم المدير العام الكولونيل وارد. ونزلت زوجته معه هذه المرة وكانت قصيرة القامة، ويظهر قصرها بوضوح عندما تقف بجانبه وتمت تأدية جميع الخدمات اللازمة له ولم يسأل هذه المرة عن ما يجب أن يدفعه من رسوم!