فهرس الكتاب
هذا ما كان عليه الوضع في بغداد في النصف الثاني من الشهر أما في البصرة فقد أمرت حكومة بغداد من وكيل المتصرف صالح حمام بالانسحاب هو وجميع موظفي اللواء الإداريين وذلك في السادس عشر من الشهر وبذلك زادت الفوضى في المدينة واشتد قلق الناس. ولكن البصرة التي اشتهر أهلها بكرم الطباع والبعد عن العنف بقيت هادئة حتى اجتمع بعض وجهاء البلد في اليوم التالي وشكلوا لجنة منهم سموها"لجنة الأمن في البصرة"وتألفت من السادة الشيخ صالح باش أعيان، محمد صالح الرديني، مصطفى الطه السلمان، عبدالرزاق الأمير. وقد أيدت قوات الاحتلال هذه الترتيبات وساعدت اللجنة في مهماتها (راجع التفاصيل في كتاب الأسرار الخفية التي سبقت الإشارة إليه. ص 210) .
لقد ذكرت سابقًا عن اللجنة التي تألفت في البصرة لجمع التبرعات لصالح جمعية الهلال الأحمر ومع مصر المدة فقد جمعت مبلغا قدره ثمانية وخمسون دينارًا جلبتها معي إلى بغداد وسلمتها للمركز الرئيسي للجمعية (انظر صورة الوصل) .
الأخبار السيئة والأخبار الأسوأ
كانت تصدر في بغداد صحيفة يومية اسمها"الجهاد"وكانت تشرف عليها مجموعة من الشباب القومي وكنا نلتقي هناك في الأمسيات وفي يوم 30/ 5/1941 ذهبت إلى مقر الجريدة كالعادة ووجدت هناك الحاج عبدالله الفلاح وجلسنا بعض الوقت لسماع الأخبار السيئة التي اعتدنا سماعها. ثم خرجنا الحاج عبدالله وأنا وسرنا عبر جسر الملك فيصل الأول (مود سابقًا) من جانب الرصافة باتجاه جانب الكرخ وقد لفت انتباهنا منظر الجنود المتواجدين على طول الجسر وعندما وصلنا إلى نهايته رأيت المقدم خيرالله حسين وكان من خيرة الضباط العراقيين ومن أبناء العائلات المعروفة في قضاء القرنة وكانت لي معرفة سابقة معه فسلمت عليه واستفسرت منه عن الحالة فأخبرني عن الخبر الذي وقع علينا وقع الصاعقة وقال"انتهى كل شيء"ثم أخبرنا عن هروب القادة الأربعة للجيش الذين تزعموا الحركة وكذلك أركان الحكومة بما فيهم رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني ولم أتمالك نفسي من البكاء. وعدنا إلى البيت في الأعظمية وبلغنا الخبر السيء للجماعة وعم الحزن والأسى الجميع. وكالعادة انتقلنا للنوم فوق السطح وكان قصف المدافع وهدر محركات الطائرات القاصفة يسمع بوضوح وكنا نرى عبر الظلام وميض نار المدافع من جهة الغرب.
وفي اليوم التالي 31/ 5/1941 بدأت الإذاعة العراقية في بغداد تذيع بيانات وبلاغات من"لجنة الأمن الداخلي"التي تشكلت أثر انسحاب الحكومة والقادة العسكريين وهروبهم إلى إيران. ومما جاء في تلك البيانات إعلان وقف إطلاق النار بين الجيشين البريطاني والعراقي واحتفاظ الجيش العراقي بكامل أسلحته وانسحابه من المواقع المقابلة للقوات البريطانية.
الفوضى في شوارع بغداد