الملأى بالرمل من أعماق البئر وإعادتها ثانية وهكذا حتى ينظف البئر ويخرج الرجل الذي نزل فيه بمساعدة صاحبه. وقد شاهدت في عدة مناسبات أن يكون الرجل الذي ينزل في أعماق البئر أعمى أما الآخر فيكون بصيرًا وهو الذي يقوده في الشوارع ويرشده إلى البيوت.
ومن عادات تلك الأيام أيضًا طبخ الطعام على نار الحطب وتوجد عدة مصادر للوقود الطبيعي وأهمها سعف النخيل الذي يستورد بواسطة السفن من البصرة ثم يأتي (العرفج) وهو نبات بري معروف ينبت في الصحراء بعد هطول الأمطار ويجف خلال فترة الصيف ويجلب إلى المدينة على ظهور الجمال أو الحمير ويباع بالحمل أي حمل البعير أو حمل الحمار أما السعف فيباع بالحزمة وتسمى (الكارة) وتحتوي على ستة عشر أو عشرين سعفة وأحيانًا خمسة وعشرين وكذلك (الكرب) وهو الجزء المتبقي من النخلة بعد قطع السعف منها وهذا يباع بالألف، كذلك يستعمل بعض الناس الأخشاب الصغيرة المتخلفة من قصاصات خشب النجارين الذين يصنعون السفن على شاطئ البحر، كذلك توجد قصاصات في أغصان الأشجار السميكة وتسمى (القرم) وهي غالية نسبيًا وتستعمل نارها عادة عندما تدعو الحاجة إلى الطبخ في قدور كبيرة في الولائم والمناسبات مثل الأعياد وغيرها حيث تكون نارها قوية. ومكان بيع السعف والكرب على ساحل البحر في المكان الذي ترسو فيه السفن الشراعية بالقرب من قصر السيف من ناحية القبلة. أما العرفج فمكانه صفاة الكويت وكان حجمها في ذلك الوقت أضعاف حجمها اليوم، فكانت محطة للقوافل القادمة والمسافرة كما كانت مكانًا للفرجة والتنزه لا سيما في أوقات الأعياد حيث تجد فيها خليطًا من رجال البادية ونسائهم وأولادهم. كما تزدحم بالقادمين من البادية أيام فصل الربيع يعرضون ما عندهم من بضائع كالسمن والأغنام.
وعلى ذكر العرفج، فإذا تم التفاهم مع الجمّال على السعر فإنه يقود جمله إلى داخل المدينة وأحيانًا تكون الشوارع ضيقة وملتوية يستنكرها البعير الذي تعود على الفضاء الرحب فيقوده صاحبه بصعوبة ويتجه أمام البيت ثم يعقل إحدى قوائمه الأمامية ويبدأ في إدخال العرفج إلى البيت وكنا نحن الأطفال إذا صادفتنا مثل هذه المناسبة نعتبرها فرصة للترفيه، فنشارك في إدخال العرفج إلى البيت ثم ننتهز فرصة غياب الجمّال داخل البيت فيأخذ أحدنا قطعة من التنك الرقيق الملقى عادة في الشوارع فنمررها على الحائط بقوة بالقرب من الجمل فتحدث قعقعة ودويا يفزع له الجمل ويقفز من مكانه على ثلاثة قوائم هائجًا لا يلوى على شيء. أما نحن الأطفال فنهرب خوفًا من عقاب الجمّال لنا!
وعلى ذكر العقال الذي يعقل به البعير فيقال إن تسمية العقال الذي نلبسه اليوم مصدره أن الجمّال عندما يفك عقال بعيره يلفه على رأسه خشية ضياعه فأصبحت هذه عادة مألوفة عند سائر الناس.
والواقع أن عادات وتقاليد تلك الأيام نبعت وترعرعت من ظروف المنطقة وواقعها في تلك الأيام وهي عادات تتغير وتتطور مع سير الزمن ولا يتبقى منها إلا الذكريات العالقة في الذهن ولذا حرصت أن أذكر بعضها وهي كثيرة.