فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 161

ومن الأمور التي كانت ملازمة لظروف الكويت اليومية -طبيخ ابن عمير-، وابن عمير هذا كان من خدم الشيوخ ومهمته أن يطبخ الطبيخ كل مساء ويقدمه للفقراء والمحتاجين ومكانه في بناية السجن القديم الذي موقعه مقابل قصر السيف وكان يتواجد كل مساء قبل غروب الشمس وأمامه قدر كبير فيه كمية هائلة من الرز الأبيض وبدون إدام، ويتجمع عند المكان كل مساء الكثير من الفقراء المعدمين يحمل كل منهم إناء بيده، وغالبيتهم من الوافدين عن طريق البر والبحر. وقد تكون عادة تقديم الطعام هذه قديمة وربما كانت من أيام جابر الأول حاكم الكويت الثالث الذي كان لقبه"جابر العيش".

وكان طبيخ بن عمير هذا مضربًا للأمثال فإذا أراد أحد ذم طعام أكله في مكان فيقول مثل طبيخ بن عمير لأنه خال من الإدام والدسم. وأذكر أن ابن عمير ظل يقدم طعامه هذا حتى الثلاثينات. كذلك كانت في الكويت مجموعة من المجانين منهم الشرس الخطر وكانت أيديهم أو أرجلهم مقيدة بالسلاسل ومنهم الوديع الذي يتسلى الناس بالتحدث معه لما يقوله من نكات عفوية. وأذكر من هؤلاء امرأتين واحدة بدوية اسمها (صدية) كانت تجوب الأسواق ذهابًا وإيابًا حاملة مزودة فوق ظهرها وتدعى أن زوجها أخذ حلالها وطلقها وربما كان ذلك سبب جنونها والثانية زنجية أفريقية اسمها (حسينة) كانت تقف أمام الدكاكين وترقص مقابل ما يعطى لها من الدريهمات وأذكر أن في مرة صادفتها وكان ذلك في صيف 1932 وكانت معي آلة تصوير استعرتها من عبدالرسول فرج رحمه الله وكان عنده دكان يبيع فيه مثل هذه الحاجيات فأوقفتها وأخذت لها صورة.

والخلاصة، من ذكر ما تقدم نرى أن لكل مجتمع عاداته وتقاليده المرتبطة بزمان ومكان ذلك المجتمع، والكويت لم تخرج عن هذه القاعدة.

والمجتمع الكويتي في تلك الأيام وأقصد بها أيام ما قبل النفط كان مجتمعًا منسجما مع ظروفه قانعًا بتلك الحياة البسيطة البعيدة عن زخارف الحياة وتعقيداتها حيث كان الناس يعيشون عيشة الكفاف مع حاجاتهم اليومية المحدودة وبذا اطمأنت نفوسهم وحسنت نواياهم وتأقلمت أجسادهم وأمزجتهم مع ذلك النمط من الحياة الخشنة كما عمرت قلوبهم بالإيمان والرضى بما قسم الله لهم.

وأتصور أن تربية البحر التي كانت تشمل معظم الكويتيين منذ القدم وأقصد بذلك حياتهم على ظهر السفينة أشهرًا طويلة قد فرضت عليهم نمطًا فريدًا في التعايش والتعاون فكل فرد في السفينة يهمه سلامتها حتى تصل إلى شاطئ الأمان وهذه السلامة لا تتم إلا إذا قام كل واحد منهم بما عليه من واجب وبمرور الزمن نمت صلت فيهم هذه الروح التعاونية حتى توارثتها الأجيال فإذا أصابت أحدهم نكبة كخسارة في تجارة أو غرق سفينة وهي حوادث كانت تتكرر دائما هبوا لمساعدته والأخذ بيده بما يستطيعون والأمثلة على ذلك كثيرة يرويها من عاصروا تلك الأيام الغابرة.

السفر إلى البصرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت