فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 161

إن سفري أو بالأحرى تسفيري إلى مدينة البصرة كان بلا شك نقطة تحول أثرت ولعبت دورًا هامًا في رسم مسار حياتي ومعالم مستقبلي.

فقد ولدت وعشت في الكويت حتى بلغت الثامنة من عمري وعشت بنمط واحد يكاد يتكرر مع كل يوم فالأهل والأقارب وأولاد الجيران والشوارع والبحر والصحراء كانت جزءًا من كياني وكانت العالم كله بالنسبة لي.

ولكن بين عشية وضحاها تغير كل شيء بالنسبة لي ففي صيف 1921 وصل أخي من أبي -سليمان- من البصرة ومعه والدته المريضة التي نصحها الأطباء هناك بالمجيء إلى الكويت (لتبديل الهواء) وكان الوالد في البصرة في تلك الفترة وقد سبق له في عدة مناسبات أن طالب بضمي إليه ليتولى تربيتي ولكن جدي لأمي رحمه الله بسبب زيادة محبته لي كان يرفض ذلك وكذلك فعلت الجدة والوالدة. وبما أن جدي كان كثير الأسفار كما ذكرت وبسبب زواج الوالدة الذي أشرت إليه بقيت أنا مع جدتي، ومع مرور الأيام كانت تشعر الجدة بعجزها في السيطرة علي فقد ازدادت شقاوتي وكثر تهربي من المدرسة وتمردي على أوامرها. وما أدري هل كان والدي قد طلب من أخي أن يصحبني معه إلى البصرة عند عودته. المهم الذي حدث بعد تردد من الوالدة والجدة تمت الموافقة على سفري. وعلمت بالخبر فلم أهتم بوقتها وتصورت أن الأمر لا يعدو أن يكون نزهة والركوب بالباخرة أو (المركب) كما كنا نسميه ولم نكن نراه إلا من بعيد -وكما يقول المثل: عرفت شيئا، وغابت عنك أشياء-.

وجاء يوم السفر وجاءت الوالدة إلى البيت وكانت قد اشترت لي صندوقًا صغيرًا من عمل الهند من التنك وضعت فيه بعض أمتعتي البسيطة وخرجنا من البيت وأنا أحمل الصندوق على رأسي وقد لاحظت أن الوالدة كانت تبكي بكاء مرًا صامتًا وكنت أحس وكأنها تشرق بدموعها وأنا أتابعها بنظرات حائرة حتى وصلنا إلى مكان السفينة الشراعية المعد لنقل الركاب إلى الباخرة (كانت البواخر في تلك الأيام ترسو على مسافة ثلاثة أميال من الساحل تقريبًا تجنبًا للمياه الضحلة وخطر الارتطام بالصخور القريبة من الساحل وظل الحال كذلك حتى تم إنشاء الميناء والأرصفة في مطلع الخمسينات) ووجدنا أخي في الانتظار فودعتني الوالدة وداعًا حارًا وظلت واقفة على الشاطئ حتى ركبنا السفينة مع من ركب معنا من الركاب وبدأنا نبتعد عن الشاطئ وعادت الوالدة أدراجها بقلب فارغ يعصره الألم والأسى وقد حدثتني الوالدة فيما بعد عن مقدار الحزن والألم الذي حل بها هي ووالدتها بسبب فراقي وكانت كل واحدة تلوم الأخرى على ما فرطا فيه من موافقتهما على سفري كما أن جدي عندما علم بسفري تأثر كثيرًا ثم جاء إلى البصرة لزيارتي ومعه الهدايا التي اعتاد أن يتحفني بها في كل سفرة من سفراته.

أعود إلى حديث الباخرة، فقد كانت من بواخر الحمل وقد أفرغت حمولتها من الفحم في الكويت ولم نستطع الجلوس بسبب قذارة المكان حيث بقايا الفحم الناعم الذي لطخ ملابسنا البيضاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت