فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 161

الحال قبل ذلك. ومما زاد في هذا الاتجاه ظهور القوميات والتعصب لها، لا سيما بالنسبة لتلك الشعوب الضعيفة المستعمرة من قبل الشعوب الأقوى، كما حصل مثلا في أوروبا بالنسبة للشعوب التي كانت تخضع للنفوذ التركي العثماني -دول البلقان بصورة خاصة- بسبب الفوارق الدينية والعرقية بين الحاكم والمحكوم.

أما بالنسبة للدول العربية، فقد وقع معظمها في قبضة الاستعمار الغربي بعد فترة الحكم التركي العثماني. وبدأ هذا الاستعمار يبث التفرقة بين بلدي عرب وآخر، أو بين جماعة وأخرى، على نظرية"فرق تسد".

وقد مهد لهذه الحملة بعض المستشرقين، الذين سخرهم الاستعمار الغربي لخدمة أغراضه الاستعمارية، فجاءوا بفكرة"العرب"و"الناطقين باللغة العربية"، ومعنى هذا بأن هناك عرب، وان هناك غير عرب ولكنهم يتكلمون اللغة العربية. وبمجرد وقفة تأمل قصيرة أمام هذه المصطلحات، نستطيع أن ندرك الغاية البعيدة منها، وهي تفكك وزعزعة كيان الأمة العربية، حتى لا تقوم لها قيامة، وبذلك يسهل حكمها وتستغل خيراتها، كما ثبتت الأيام ذلك.

ومما يؤسف له، أن مثل هذه النظريات والأفكار، لاقت هوى عند بعض الأقليات في المجتمعات العربية، لا سيما عند بعض أدبائهم وكتابهم، فألفوا الكتب، وحرروا المقالات في الصحف، وكلها تضرب على هذا الوتر، وتر"العرب"و"الناطق باللغة العربية"، حيث أن تلك الإيحاءات أثارت عندهم المخاوف والشكوك. وأحد الأمثلة على ذلك في تلك الأيام، ما حدث في لبنان من مذابح ومآسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت نتيجتها أن حصلت الدول الغربية الكبرى على امتيازات خاصة في لبنان من الدولة العثمانية، بحجة حماية ورعاية تلك الأقليات.

ومع كل ما حدث من أساليب التضليل والتخويف، فان كثيرا من الكتاب العرب تصدوا لأصحاب تلك الفتن ومثيريها، ومن أولئك الرجال، العلامة العربي الأستاذ ساطع الحصري، عن طريق الخطب في الندوات أو الكتابة بالصحف، وفي تأليف الكتب، ومنها كتابه الذي عنوانه"العروبة بين دعاتها ومعارضيها"، فقد ذكر في ذلك الكتاب بالنص"اما أنا فلا أرى أي وجه لمثل هذه الأسئلة لأني لا اعرف أي مبرر كان للتمييز بين (الشعب العربي) و (الشعوب التي تنطق بالعربية) فإني اعلم علم اليقين، أن الأبحاث العلمية برهنت برهنة قاطعة، على انه لا يوجد على وجه البسيطة شعب منحدر من أصل واحد حقيقة". ثم يقول "وأما محاولة التمييز والتفريق بين"العرب"و"الناطقين بالعربية"، أي ARABE وبين ARABOPHONE حسب تعبير الفرنسيين، فهو من وسائل التضليل والتفرقة التي كثيرا ما يلجأ إليها الكتاب المستعمرون".

ثم يذكر في مكان آخر في الكتاب المذكور،"في تشبيه الأمم بالنهر الكبير التي تتكون مياهه من عدة روافد وعيون كلها تسير وتجري في ذلك النهر الكبير وتصبح جزءا من مياهه وتسمى باسمه"، ثم يضيف"أن أحوال الأمم ومنابعها تشبه ذلك شبها كبيرا. إن الإنجليزي المثقف لا يعرف ما إذا كان بينه وبين شكسبير أو نيوتن أو ميلتون رابطة أهل ونسب، ومع ذلك فانه يعتبر هؤلاء أجدادا له"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت