فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 161

ومن هنا تبرز أهمية التدوين وتسجيل تلك الأمور بأوقاتها، أو بعد فترة طبقًا للظروف وطبيعة تلك الأحداث، وكلما توسعت مدارك الإنسان واقترب من مرحلة النضوج الفكري والحضاري تزايدت عنده الرغبة في الاطلاع على خفايا الماضي، وإذا كان التاريخ يعيد نفسه كما يقولون فما أحوجنا إذن للسعي وراء معرفة ذلك التاريخ واستخلاص العبر منه.

لقد ظهرت عندي الرغبة والاهتمام بدروس التاريخ في المراحل الأولى من أيام دراستي في مدارس البصرة حيث كانوا يدرسوننا التاريخ العرب قبل الإسلام وبعده وأذكر جيدًا كيف كان الأستاذ يشرح لنا تفاصيل ثورة الشريف حسين بن علي ضد الأتراك إبان الحرب العالمية الأولى وكان التركيز على هذا الموضوع واضحًا حيث إن الملك فيصل الأول بن الحسين كان ملكًا على العراق في ذلك الوقت، ولهذا أعطى موضوع الثورة أهمية خاصة تمشيًا مع سياسة الحكم الهاشمي في العراق وأذكر أني في أحد الامتحانات كتبت عن هذا الموضوع أربع صفحات من الحجم الكبير وحصلت على درجة عالية وكان عمري في ذلك الوقت لا يتجاوز الثالثة عشرة.

وعلى العموم لقد كانت في العراق في منتصف العشرينات صحوة عربية عجيبة جاءت كردة فعل للحكم التركي الذي دام قرابة أربعة قرون، حيث كانت الأناشيد العربية الحماسية التي نظمها شعراء عرب أمثال الرصافي وكنا نرددها صباح مساء كما كنا نقرأ عن مساوئ الحكم التركي وعن جمال باشا السفاح الذي أعدم أحرار سوريا ولبنان، والأشعار التي قيلت في رثائهم. كما أذكر ما كان يحدثنا به الأساتذة عن الحركة الصهيونية ووعد بلفور وأخبار المظاهرة، التي سارت في بغداد في ذلك الوقت بمناسبة الهجرة الصهيونية ووعد بلفور والتي سار في مقدمتها شابان أحدهما عراقي اسمه يوسف زينل والثاني لبناني واسمه محيي الدين النصولي وهو من عائلة معروفة في بيروت وأظنه كان مدرسًا في إحدى مدارس بغداد. وقد اعتقلت الشرطة بعض المتظاهرين ومن بينهم هذان الشابان ونفتهم إلى الفاو في جنوب البصرة. ولا شك أن ذلك الاعتقال والنفي كان بوحي من السلطات البريطانية (لقد وقعت تلك الحوادث في عام 1927 عندما كان العراق تحت الانتداب البريطاني الذي استمر حتى عام 1932 عندما أصبح العراق عضوًا في عصبة الأمم التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى والتي حلت محلها هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية) .

وكما كانت هناك نهضة عربية فقد كانت هناك أيضًا صحوة تحرر ورغبة في حكم ديمقراطي، وكان الملك فيصل يعتبر ملكًا دستوريًا، لذا كان هناك مجلس نيابي وكان النواب فيه ينتخبون انتخابًا على النظام الثانوي بالنظر لظروف العراق في ذلك الوقت. ومع أن غالبية النواب كانوا من رؤساء العشائر وأصحاب النفوذ إلا أنه كانت في البرلمان معارضة قوية يتزعمها رجال اتصفوا بالنزاهة وكانوا على مستوى عال من الثقافة والنضوج، أمثال ياسين الهاشمي وجعفر أبو التمن وتوفيق السويدي وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت