ومن الغريب أن بعض التقارير البريطانية في تلك الأيام كانت تشير إلى أن الملك فيصل كان يشجع المعارضة لاستخلاص ما يمكن الحصول عليه من السلطة البريطانية التي كانت لها الهيمنة على العراق في ذلك الوقت. وعلى ذكر المعارضة فإن عبدالمحسن السعدون الذي كان رئيسًا للوزراء في أواخر العشرينات أقدم على الانتحار وقد ذكر في رسالة وجهها إلى ولده قبل انتحاره نشرتها الصحف العراقية في وقتها يذكر فيها الأسباب التي دعته للانتحار ومنها المعارضة القوية التي كانت تطالب بوقف تدخل الإنجليز في شئون البلاد وكتب يقول"الشعب يريد والإنجليز لا يوافقون" (كان انتحار عبدالمحسن السعدون في الثالث عشر من شهر نوفمبر"تشرين الثاني"1929) .
أعود إلى صلب الموضوع فأذكر أني أدركت أهمية التدوين وتسجيل الأمور الهامة في إحدى زياراتي إلى مدينة لندن وذلك في صيف 1959، ولندن غنية عن التعريف بآثارها ومتاحفها وثروتها العلمية، التاريخية حتى لقد ذكر أحد العارفين بقيمة تلك الآثار فقال"إذا كانت بريطانيا قد فقدت مستعمراتها فيما وراء البحار والتي كانت كما يقولون لا تغرب عنها الشمس فإنها أي بريطانيا قد كونت لها ثروة عظيمة لا تقدر بثمن من الكتب والمخطوطات والتحف لا مثيل لها في أي بلد من بلدان المعمورة".
أقول لقد زرت بعض تلك الأماكن في ذلك العام بصحبة الدكتور أحمد مصطفى أبو حاكمة والذي كان يحضر لنيل شهادة الدكتوراه وقد سبق له التدريس في الكويت. وقد تعرفت عليه عن طريق كتاباته عن الخليج في بعض الصحف المحلية ومنها مجلة العربي علما بأن الرسالة التي كان يحضر لها كانت تتعلق ببعض شئون الخليج العربي.
وكان لقائي الأول معه في لندن حيث زرنا بعض المعاهد التي كان يستمد منها معلوماته مثل مكتبة الهند والمتحف البريطاني حيث كانت تلك المعاهد تزخر بمختلف الوثائق المتعلقة بشئون الخليج منذ بداية نشاط شركة الهند الشرقية في أوائل القرن السابع عشر. وكما هو معروف فإن لتلك الشركة تاريخًا حافلًا بترسيخ النفوذ الاستعماري في شبه القارة الهندية وفي منطقة الخليج العربي وجنوب العراق وإيران، بالإضافة إلى نشاطها التجاري المرموق.
ولقد دهشت عندما شاهدت بعض تقارير وكلاء تلك الشركة ومعتمديها محفوظة بنسخها الأصلية ومكتوبة بخط واضح على أوراق سميكة استطاعت أن تقاوم شتى عوامل التلف، كما كانت ملصقة مع بعضها نماذج من الأقمشة التي يطلب الوكلاء إرسال كمية منها وكان عمر تلك الوثائق يزيد على المائتي عام، وهناك تقارير أخرى وهي الأهم والتي تتعلق بأحوال المناطق التي جاءت منها تلك الرسائل وعن الأوضاع السياسية السائدة في ذلك الوقت.
وكانت لبعض تلك التقارير أهميتها بالنسبة لمنطقتنا حيث كانت في كثير من الحالات هي المصدر الوحيد للمعلومات بسبب ندرة أو عدم توفر من لهم الاستعداد والمؤهلات لتدوين ما كان يحدث في تلك الأيام من أهل تلك البلاد. كذلك كان هناك مصدر آخر للمعلومات وهم الرحالة الأجانب الذين زاروا المنطقة في تلك الأيام وكتبوا عنها أمثال الرحالة الدنماركي"كارستن نيبور"والرحالة