المدينة من أقصاها الى أقصاها مما يساعد على سماع المؤذن ينادي للصلاة من مسافات بعيده بذلك الصوت المبسط الخالي من التمديد والتمطيط.
حملنا أنا وجدي أمتعتنا البسيطة منطلقين من (نقعه الشيوخ) التي رسى فيها القارب واتجهنا نحو تلك الطرق الضيقة المظلمة وكانت خطواتي أسرع من خطوات الجد لشدة لهفي على وصول البيت ثم كان اللقاء الحار المفاجئ حيث لم يكن يعلم أحد من أهل البيت بموعد وصولنا وقد وجدت ضالتي التي فقدتها خلال عامين تلك الضالة التي لا يعادلها شيء بالنسبة لأي طفل ألا وهي حنان الأم!
وفي خلال فترة حياتي حكمت علي الظروف أن أغيب عن الوطن في عدة مناسبات فترات طويلة ولكن تلك الغيبة التي لم أكن مهيأ لها البتة كانت أطول غيبة لي وأقساها وان فرحة تلك الأمسية لم أجد إلا مثيل طيلة حياتي كما ان ذكريات تلك السفرة لم تمحها الأعوام الطويلة التي انسلخت من العمر وقد أذكرها أحيانا عندما أعود إلى الوطن على متن إحدى الطائرات ليلًا وأرى الأنوار المتلألئة من أبعد مكان.
وقضيت أيامًا ممتعة خلال عطلة الصيف التي دامت قرابة ثلاثة شهور حيث بالإضافة إلى متعة القرب من الأهل فقد ازدادت هذه المتعة بسبب لقائي بأقران الطفولة من الأقارب وأولاد الجيران فكان اللعب المستمر والسباحة بالبحر. ولكن تلك المتعة لم تكن كاملة فقد عادت إلي الملاريا الملعونة وأقعدتني في البيت فترة من الوقت إلى ان أخذني جدي رحمه الله إلى المرحوم الحاج أحمد محمد الغانم الذي اشتهر بعلاج الأمراض بالأعشاب كما اشتهر في تجبير الكسور في العظام وكان يؤمن بالمثل القائل آخر الدواء الكي ولما علم بأني مصاب بالملاريا أعطانا قليلا من مسحوق القناقينا (الكنين) وقال للجد امزج بعض من هذا المسحوق بالزبدة وادهن به جسد الولد وفعلًا انقطعت عني الملاريا لفترة من الوقت بسبب هذا العلاج. وكان الحاج أحمد الغانم يعالج الناس مجانا ويقوم بهذا العمل تطوعا لوجه الله.
العودة إلى البصرة
نحن لا نزال في صيف 1923 وقد انقضت أيام العطلة وكأنها غمضة عين. لقد كانت أيامي كلها اعيادًا ومتعة حتى الفترة التي كنت فيها مصابا بحمى الملاريا التي كنت بها محاطًا بالعطف والحنان فلم أشعر بوطأتها الشديدة التي كانت تجثو على جسمي الهزيل أيام زيارتها لي في البصرة.
لقد كنت أشعر بالمتعة بسماع هديل الحمام وزقزقة العصافير وقصف أمواج البحر وهياجها والزبد الذي يتلاشى على تلك الرمال الذهبية. لقد كنت أستمتع بأغاني البحارة وأهازيجهم وهم يهيئون سفنهم للأسفار الطويلة كما كنت أتلذذ بأغاني البنائين وهم يرددون"هيَّا هلمه"وأظن كلمة هلمه هي اختصار لكمة هلمَّ العربية.