فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 161

وكانت المدرسة -إن صح هذا التعبير- عبارة عن حجرة من ضمن بيت المطوع فتح لها بابًا على الشارع ولها باب آخر صغير متصل بحوش البيت، وكانت أرض الحجرة مفروشة بالحصران البالية وكان المطوع وهو من أصل فارسي يجلس في الزاوية القريبة من باب الحجرة المطل على بيته وأمامه سحارة أو (بشتختة) من الخشب الصاج صنع الهند وبجانبه الفلقة أو (اليحيشه) كما كنا نسميها ولا أدري من أين جاءت هذه التسمية الغريبة، وكذلك بقربه مجموعة من عصي الخيزران المختلفة الأطوال والأحجام منها الطويلة وهي مخصصة للجالسين في الصف الخلفي والمتوسطة لصف الوسط والقصيرة لمن هم أقرب إليه من الصبيان وكذلك عندما يستعمل الفلقة.

وعندما نأتي في الصباح يجلب كل منا معه كوز ماء معلق بحبل حيث توجد عدة مسامير في الحائط من أجل تعليق كل كوز، ومن لا يجلب معه كوزًا يصبح تحت رحمة أحد أقرانه إن بقي في الكوز الصغير شئ يكفي للمشاركة.

وكان البعض منا يجلب في جيبه كسرات من الخبز (الرقاق) أو المرقوق أو حبات من التمر المجفف. وكانت تلك الغرفة أشبه بخلية النحل تعج بهمهمة أصوات متنافرة وقد يدعو المطوع أحدنا ليسمعه ما حفظ من السور فيدنو منه مرتعش الأوصال خوفًا من أن يخطئ فتهوى على ظهره العصا حيث المطلوب قراءة السورة قراءة صحيحة مع الحفظ عن ظهر قلب في بعض الأحيان. وساعة المتنفس تأتي عندما يدخل الأستاذ إلى البيت لقضاء بعض حاجاته، حيث يسود الهرج والمرج داخل الغرفة، وكم تمنينا أن تطول غيبته. كما أنه لا توجد فرصة خلال فترة الدرس بل دوام مستمر حتى آذان الظهر، ثم نعود بعد الغداء، إلى قبل المغرب بقليل.

وعقاب (الفلقة) يأتي عادة بسبب (هروب) الصبي من الدرس أو بسبب خناقة بين اثنين من الأولاد، وأحيانًا بسبب إيعاز من ولي أمر الولد بسبب (جرم) اقترفه الولد في البيت!!

هذه باختصار أمثلة عابرة عن مآسي الطفولة في تلك الأيام ولم تكن تلك الأوضاع مقتصرة على الكويت بل كانت تشمل المنطقة العربية بأسرها. كذلك كانت الفتيات يذهبن إلى (المطوعة) ولكن بعدد أقل من الفتيان، وفي العراق يسمونها (ملاية) مؤنث كلمة (ملا) وأظن أن الكلمة تركية الأصل لأنها متداولة في بعض البلاد العربية منذ أيام العهد العثماني (لقد تطرق بعض الكتاب الكويتيين في مؤلفاتهم إلى الكثير من عادات تلك الأيام وتقاليدها، أمثال السيد أيوب حسين الأيوب والسيدة مريم عبدالملك الصالح والسيد سيف مرزوق الشملان) .

كان أسعد الأيام عندنا يوم الخميس حيث تليه عطلة الجمعة وكنا نذهب ذلك اليوم إلى (المدرسة) ومعنا (الخميسية) وهي دريهمات معدودة لا تزيد عن (آنه) هندية (أربع فلوس) نقدمها للأستاذ.

وكان الشارع ميدان اللعب عندنا وألعابنا بدائية وكانت أمهاتنا تصنع (اللعبة) مثل العرائس وغيرها للبنات وكنا نحن الأولاد نصنع بعض ألعابنا بأيدينا وكان الأكبر منا سنًا يمارسون السباحة في البحر وصيد السمك (الحداق) أو صيد الطيور أيام الربيع بالفخ و (الصلابة) وهي عبارة عن عودين من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت