وبعد هذه الجولة الأخيرة أمرني المدرب بالهبوط الذي تم بصورة طبيعية وهو مس الأرض مسًا وليس الاصطدام بها، وهذه اصعب مرحلة من مراحل الطيران بالنسبة لتلك الأيام حيث ليست هناك أجهزة مساعدة بل إن كل شيء كان يعتمد على حسن تقدير الطيار للمسافات بينه وبين الأرض مع وضع الطائرة في الزاوية الصحيحة للهبوط. بعد ذلك ترجل المدرب من الطائرة واقترب مني قائلا الآن أتركك تطير وحدك وأنا مطمئن إلى ذلك وتذكر أن عندك محركا جيدًا GOOD ENGINE تستطيع الاعتماد عليه، لا تذهب بعيدًا وحاول ان لا يزيد ارتفاعك عن ثمانمائة قدم ومع السلامة!
وبدأت أدرج على تلك الأرض الخضراء متجها إلى مكان الإقلاع ثم بدأت التفت يمنة ويسرة لأطمئن الى عدم وجود طائرات هابطة أو محلقة فوق المطار وهي أمور روتينية اعتدنا عليها. وبعدها أعطيت المحرك أقصى سرعته فارتفعت الطائرة بوقت أسرع من المعتاد وسبب ذلك الوزن الذي فقدته الطائرة بسبب غياب المدرب الذي كان وزنه فوق المعدل وقد سبب غيابه شيئا من الارتباك عندي حيث اعتدت أن أراه يملأ المقعد الذي أمامي وفجأة نظرت إلى مقياس الارتفاع فوجدت نفسي أحلق على ارتفاع 1200 قدم بدلا من 800 التي أوصاني بها المدرب وكان ذلك عاملا آخر ساهم في زيادة الحيرة والارتباك وقد عالجت ذلك بأن وسعت دائرة جولتي لكي أستطيع التخلص من زيادة الارتفاع عند محاولة النزول حيث هبطت الطائرة في المكان المقرر لها واتجهت بعد ذلك نحو بناية المكاتب فوجدت المدرب POPE ومدربي الثاني VEALE فتقبلت التهاني منهما.
وهكذا انتهت مرحلة مهمة من حياتي وبدأت مراحل أخرى في طيات القدر المجهول.
وجاء موعد الامتحان
وكان علي بعد ذلك أن أتهيأ لامتحان الشهادة والقيام بالتدريبات اللازمة لذلك كما كان علي أن افحص مدى قوة نظري عند طبيب العيون المختص بفحص المتقدمين لشهادة الطيران وتحدد موعد الزيارة وكنت وقتها واثقا من أن قوة بصري جيدة، وجاء الوقت المحدد ودخلت على الطبيب وبدأ الفحص الروتيني المعتاد وبعده التفت الى قائلًا ان قوة نظر عينك اليمين 6 على 6 أما اليسرى فقوتها 6 على 5 بسبب وجود خلل في العدسة يسمى (الاستجماتيزم) وهذا لا يمكن إصلاحه إلا بلبس النظارات! وكانت مفاجأة لي غير متوقعة تترتب عليها أمور هامة منها عدم استطاعتي التقدم لشركات الطيران التجاري، أي الشهادة التي تخول حاملها احتراف مهنة الطيران كما هو الحال في طياري شركات الطيران. أو الطيران الحربي.
أما شهادة الطيران الخاصة PRIVATE "A" LICENSE فهي تخول حاملها الطيران على جميع أنواع الطائرات وحمل الركاب معه ولكن بدون تقاضي الأجور أو المكافآت -أي بمعنى آخر الاحتراف- ومن قوانين تلك الأيام أن على المتقدم لنيل شهادة الطيران التجاري أن يكون قد أتم على أقل تقدير مائتي ساعة طيران منفرد مع دراسة موسعة في علم الملاحة الجوية والطيران الليلي والطيران (الأعمى) أي الطيران بواسطة الآلات التي كانت متوفرة في تلك الأيام وما أقلها وأبسطها.