وتمر الأيام وتزداد ساعات التدريب ويسلمني المدرب دفة القيادة ويقف مني موقف المتفرج يراقب حركاتي وتصرفاتي ويصدر التعليمات والتوجيهات كلما دعت الضرورة إلى ذلك دون أن يمس عصا القيادة وفي يوم الحادي عشر أو الثاني عشر من شهر مارس (آذار) بعد طلعة قصيرة مع المدرب POPE وبعد أن ترجلنا من الطائرة طبطب على كتفي قائلا وهو يبتسم الآن أصبحت طيارًا ماهرًا وتهيأ قريبا لكي تنطلق وحدك - SOLO- وقد كانت تلك الكلمات التي سمعتها منه مثيرة للفرحة والرهبة في آن واحد. وذهبت الى المكان المخصص لكل تلميذ لإيداع حوائجه وسلمت المسئول (الباراشوت) مظلة الهبوط المطلوب منا حملها إجباريا قبل كل طيران وإعادتها لأحد المختصين عند العودة لفحصها وجعلها جاهزة للرحلة القادمة.
وعدت إلى غرفتي وجلست استعيد ما قاله لي المدرب وهي الكلمات السارة التي كنت انتظرها. وهنا أود أن اذكر بأن المدرب يستطيع بعد ساعات قليلة من الطيران أن يكتشف مدى استعداد ذلك التلميذ لتعلم الطيران أم لا ولذلك فانهم ينصحون الشخص غير المؤهل لهذه المهنة أن لا يضيع وقته وماله عبثا.
وبعد يومين وعند الظهيرة استدعاني المدرب نفسه وقال تهيأ بعد قليل للطيران حيث الآن وقت الغداء وقد عادت جميع الطائرات إلى أوكارها وقد صفا لك الجو فلننتهز هذه الفرصة وسألحق بك حالًا. ومن حسن الصدف أن ذلك اليوم كان من أيام الربيع الجميلة والشمس مشرقة واتجهت نحو المطار فوجدت الطائرة التي اعتدت الطيران عليها جاثمة وبقربها الميكانيكي الذي اشرف على فحصها حسب البرنامج المقرر وبدأت أدور حولها وأطبطب على أجنحتها وكأني أراها لأول مرة. وكنت أشبه بالفارس الذي يستعد لركوب فرسه إلى حلبة سباق حاسمة أو ربما أكثر.
وما هي إلا لحظات حتى جاء المدرب POPE هاشا باسما وصعد إلى مقعده الأمامي كالعادة وصعدت في المقعد الخلفي وأعطى الإشارة بيده إلى الميكانيكي لكي يدير المروحة التي بواسطتها يستدار المحرك حيث لم ينتشر استعمال المشغل الأوتوماتيكي STARTER على طائرات التدريب في تلك الأيام. واتجهت الطائرة إلى مكان الإقلاع وكنت قد استلمت قيادتها منذ البداية ونظرت إلى مؤشر الريح حيث من المفروض أن يكون إقلاع الطائرة وهبوطها ضد اتجاه الريح وذلك لكي تستفيد عند الإقلاع من المقاومة فترتفع بأقصر مسافة ممكنة وكذلك عند الهبوط ضد الريح لكي تقل سرعتها عند اقترابها من الأرض حيث كلما قلت سرعتها زادت قدرة الطيار على السيطرة عليها والتحكم في توجيهها بالاتجاه الصحيح.
وما هي إلا لحظات حتى انطلقنا في جولة اعتيادية فوق الضاحية والمطار. والذي أود أن أقوله انه خلال أيام التدريب الأخيرة كانت مهمة المدرب إعطاء التعليمات والإرشادات فقط ولم يمس أجهزة القيادة بل كان الأمر كله متروكا لي للتصرف ودور المدرب كان دور المراقب على ذلك التصرف وهذا ما جعله يقتنع أخيرًا بأني أصبحت على مستوى من التدريب أستطيع بموجبه من التحليق بمفردي وهي الفترة أو المناسبة التي جاءت نتيجة لتلك اللحظات الحاسمة.