الطائرة بحركات متعمدة كالهبوط السريع من علو شاهق إلى الميلان والدوران بعنف مما جعلني أشعر بشيء من الضيق والملل. واستمرت هذه الرحلة حوالي العشرين دقيقة وبعد الهبوط بدأ الطيار يسألنا ليتعرف على تأثير هذه الرحلة على كل منها. والواقع أن الرحلة كانت مزعجة في مرحلتها الأخيرة ولكن لم يصب أحدنا بالدوار وهو المهم.
وبدأت معي مرحلة التدريب في الأيام التي تلت على طائرات ذات جناحين ومحرك واحد ومقعدين، الأول مخصص للمدرب و الثاني للتلميذ وأجهزة القيادة مزدوجة في كلا المقعدين. وكانت الطائرة التي صعدت إليها من نوع AVRO-CADET وهو النوع الغالب في المدرسة (انظر الصورة) . ودامت أول رحلة تدريب حوالي عشر دقائق كان يشرح فيها المدرب بعض وظائف أجهزة القيادة من خلال تلفون مرتبط بخوذة كل من المدرب والتلميذ ويشبه إلى حد ما سماعة الطبيب. وتكررت الطلعات بين يوم وآخر وكنت اجد فيها متعة ما بعدها متعة وكان يتناوب على تدريبي اثنان من المدربين الأول اسمه الملازم الطيار VEALE والثاني الملازم الطيار POPE وكان هذا الأخير أوسع بالا من الأول وكان سروري يتضاعف عندما أجده في انتظاري.
وعند تحليق الطائرة في الجو فإنها تفقد أي اتصال بالأرض لعدم وجود أجهزة اللاسلكي، أما الراديو فلم يكن شائعا في ذلك الوقت. وعلى هذا الأساس فلم يوجد شيء اسمه برج مراقبة. بل كان هناك مكتب في بناية المطار لتسجيل حركة كل طائرة مع ذكر اسم التلميذ والمدرب والمدة التي استغرقتها الرحلة. وقد يصادف أحيانا أن تصاب طائرة بعطب ويضطر الطيار للنزول اضطراريا في أحد المطارات القريبة منه أو أحيانا في أي بقعة من الأرض تصلح للنزول وبعد ذلك يحاول الاتصال بإدارة المطار ليشرح للمسئولين تفاصيل ما حدث. وقد حدثت لبعض التلاميذ عدة حالات من هذا النوع أثناء فترة إقامتي بتلك المدرسة وفي مثل هذه الحالة ترسل الإدارة المهندسين لإصلاح العطل وجلب الطائرة.
وكان المدرب في مراحل التدريب الأولى شديد المراقبة لتصرفاتي وردود الفعل عندي وكنت استشف ذلك من الأسئلة التي يوجهها لي أثناء الطيران وقد يصادف أن يتعرض بعض التلاميذ لحالات أو نوبات عصبية قد تعرض الطرفين للخطر. وفي إحدى طلعات التدريب حدثت حادثة غير مقصودة أفزعت المدرب VEALE حيث بدأ يصرخ علي بعنف قائلا ارفع يدك عن عصا القيادة فرفعت يدي فورًا دون أن اعرف سبب طلبه هذا ولكن عاد وكرر الطلب فرفعت يدي الاثنتين لأؤكد له ذلك. وكنت قبل لحظات قد نزعت القفاز من يدي اليمنى ووضعته في حضني فانزلق مع الحركة وانحشر بين أسلاك القيادة المكشوفة الممتدة بمحاذاة جوانب الطائرة مما أعاق حركة دفة القيادة الحساسة وهذا مما جعل المدرب يصرخ تلك الصرخات العصبية. ولحسن حظي وحظه فقد أراد الله أن التفت في تلك اللحظات الحرجة إلى اليسار فأجد فردة القفاز محشورة بين الأسلاك فانتزعتها بسرعة ولوحت له بها. وعادت الطائرة إلى مجراها الطبيعي بعد أن استطاع المدرب السيطرة التامة عليها في آخر لحظة.
الطيران المنفرد SOLO FLIGHT