فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 161

أمور أخرى تعلمتها

أهم شيء كان يلفت النظر في تلك البلاد هو النظام وعدم التجاوز على حقوق الغير لا سيما في الأماكن العامة مثل الطوابير على شبابيك السينما التي أشاهدها لأول مرة. وكانت البلاد عمومًا أكثر نظافة مما هي عليه اليوم وأقل زحامًا. وكان الطابع الإنجليزي هو الغالب على مدينة لندن فالأجانب كانوا قلة ومشاهدتهم في الشوارع والأماكن العامة نادرة وأقصد بالأجانب المجموعات الشرقية التي تراها اليوم بكثافة في شوارع لندن. لقد أقمت كما ذكرت أكثر من ثمانية أشهر لم أتكلم فيها باللغة العربية إلا مرة واحدة عندما صادفت بعض الأخوة العراقيين في إحدى زياراتي إلى مدينة لندن! وكانوا من الطلبة الذين يدرسون في المعاهد البريطانية وغالبيتهم كانوا على حساب الدولة وقلة منهم على حسابهم الخاص. وكان هذا شأن غالبية الشباب الأجانب الذين يدرسون في المعاهد البريطانية. كما كنت أشاهد أن العنصر الهندي بين الطلاب الشرقيين هو الأكثر بروزًا.

ولم تكن صناعة السياحة منتشرة في أوربا كما هو عليه الحال اليوم بل كانت مقصورة على الأثرياء الذين بإمكانهم تحمل تكاليفها الباهظة، كما كان هناك عامل آخر يعيق أمر السياحة وهو صعوبة المواصلات في تلك الأيام.

ومن الأمور التي تعلمتها في تلك الفترة وأثناء الدراسة المواظبة والمحافظة على الوقت والتنقل في مراحل المعرفة مثل ما ذكرته عن دورة الحدادة والنجارة حيث أن مفهوم الوصول إلى المراكز الأعلى يجب أن يبدأ في تلك النقطة وليس هناك مجال للقفز فوق الموانع بل إزالتها الواحدة بعد الأخرى. وقد سمعت بهذه المناسبة أن أي مدير عام للبريد مثلًا عليه أن يتدرج من أول درجات السلم كأن يبدأ بتوزيع البريد وذلك من أجل الإحاطة بكل مشاكل الوظيفة لكي تكون عنده القدرة على تفهم تلك المشاكل ومضاعفاتها كذلك تعلمت أن أتقبل الفشل وأتحمل نتائجه بقدر تطلعي إلى النجاح وجني ثماره لا سيما فيما يتعلق في الطيران فكانوا يقولون لنا YOU HAVE TO EXPECT THE WORSE أي عليك أن تنتظر الأسوأ وتستعد له. وقد عرفت معنى هذه الفلسفة أو النظرية عندما داهمتني مشاكل الحياة فيما بعد فكانت خير عون لي على الصمود والثبات في وجه تلك الأعاصير.

كذلك كنت أشاهد العامل يؤدي ما عليه من واجب بكل دقة وعناية سواء كان عليه رقيب أم لا وأظن أن هذا النوع من الإخلاص بالواجب هو ما يسميه بعض خبراء الاجتماع"ضمير المهنة"وهو ما يذكرنا بمضمون الحديث الشريف"رحم الله امرءًا عمل عملًا فأتقنه"ومما يؤسف له أننا نجد الكثير من تعاليم الإسلام مطبقة في بلاد غير المسلمين ومهملة في بلاد المسلمين والأمثلة على ذلك كثيرة. وأول وصولي لتلك البلاد لفت نظري ارتفاع مستوى النظافة في شوارعها وأماكنها العامة وحرص الناس على المحافظة على تلك المستويات، كما لفت نظري أينما تجولت الإشارات التي تشير وترشد الناس إلى دورات المياه وهي أمور ضرورية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بسلوك الناس اليومي وعدم الغنى عن مثل هذه الأماكن. وفي لندن بالذات كنت أجد في مداخل تلك الأماكن إعلانات تحذر من الأمراض التناسلية مثل الزهري وغيره وترشد المصابين إلى أقرب مكان للعلاج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت